قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

الفجوة في الذكاء الإصطناعي بين الدول المتطورة و الدول المتخلفة

بقلم عفاف عنيبة

سيُحدث الذكاء الاصطناعي فجوةً بين الدول المتقدمة و الدول المتخلفة في ميادين عدّة تمثّل لُبَّ القوة الحضارية، و هي: الاقتصاد، المعرفة، السيادة، و الإنسان. وهذا ما أكدته تقارير حديثة صادرة عن مؤسسات دولية مرجعية.

فما هي المجالات الأخطر التي ستتّسع فيها هذه الفجوة، بالاستناد إلى مراجع موثوقة ؟

-في المجال الاقتصادي، ستعتمد الدول المتطورة الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية، و تقليص التكاليف، و التحكم في سلاسل القيمة العالمية، بينما تظل الدول المتخلفة في موقع المستهلك للتقنية لا المنتج لها، تابعة لمنصات أجنبية، و فاقدة للسيادة الاقتصادية. و ستُمكِّن هذه الفجوة من انتقال الثروة من العمل البشري إلى رأس المال التكنولوجي، الذي تملكه و تحتكره دول قليلة.

أما في مجال سوق العمل و المهارات، فسيوفر الذكاء الاصطناعي وظائف عالية الكفاءة و المهارة في الدول المتطورة، في حين سيؤدي إلى تدمير وظائف تقليدية في الدول المتخلفة، التي ستعاني من غياب برامج إعادة التأهيل، ما يفضي إلى تفاقم البطالة البنيوية.

و في ميدان التعليم و المعرفة، ستتسع الفجوة بين الدول المتقدمة و الأخرى المتخلفة ؛ فالأولى تعتمد الذكاء الاصطناعي في التعليم التكيفي، و تطوّر البحث العلمي الخوارزمي، و بذلك تتمكن من إنتاج المعرفة و التحكم في معاييرها. بينما ترتكز الدول المتخلفة على أدوات جاهزة، و مع مرور الوقت ستضعف فيها مهارات التفكير النقدي، و تتحول جامعاتها إلى فضاءات لاستهلاك المعرفة بدل إنتاجها.

و في ميدان الطب، سيُحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا في التشخيص المبكر، و الطب التنبؤي، و إدارة الأوبئة. في المقابل، ستتأخر الدول الفقيرة و المتخلفة في الاستجابة للأزمات الصحية، و ستضطر إلى استيراد حلول مكلفة، دون امتلاك التكنولوجيا أو التحكم فيها.

أما الميدان الأخطر، لكونه يمس سيادة الدول و أمنها، فهو ميدان الدفاع و الأمن؛ إذ سيُوظَّف الذكاء الاصطناعي عسكريًا في أنظمة المراقبة و التحكم، و سيغذي الحروب السيبرانية، بينما تبقى الدول المتخلفة مكشوفة أمنيًا، مخترَقة معلوماتيًا، و فاقدة للاستقلال الاستراتيجي.

وآخر ميادين الفجوة هو ميدان الثقافة والهوية والقيم؛ حيث سيُستخدم الذكاء الاصطناعي بوصفه حاملًا لقيم مطوّريه، فيُعيد إنتاج أنماط ثقافية غربية، و يفرض لغات و سلوكات و تصورات صاغها من أوجدوه. و سيُفضي ذلك إلى مزيد من إضعاف المرجعية القيمية للدول المتخلفة، و فقدان لغاتها، و بقائها في موقع المفعول به لا الفاعل.

لقد حاولتُ تلخيص أهم الميادين التي سيُحدث فيها الذكاء الاصطناعي فجوةً غير قابلة للردم بين دول متقدمة و أخرى متخلفة. و لن يكون بوسع هذه الأخيرة معالجة هذه الفجوة إلا إذا تحررت من العوائق البنيوية، و عقدة النقص، و الفساد السياسي و الاقتصادي، و اعتمدت سياسات حقيقية لتشجيع الموارد البشرية و منحها فرصة الإبداع و الاختراع، حتى تتمكن من مواجهة تحدي الذكاء الاصطناعي الذي سيعيد رسم مستقبل الأمم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى