في ماذا ستفيد تلك الدنانير الأم و هي لا تشارك أطفالها لحظات الفرح و لا لحظات الألم؟
بقلم عفاف عنيبة

قبل أسبوع وقفتُ على مضارّ عمل المرأة بنفس دوام الرجل، من خلال موقفين معبّرين أدركتُ عبرهما حجم ما خسرته الأسرة المسلمة بغياب الأم و الزوجة عن البيت.
في الموقف الأول، دخلتُ صيدلية بحثًا عن دواء أضعه جانبًا للاحتياط، فإذا بالموظفة تبدو عليها معالم توتر و قلق بالغين. كانت تتحدث مع زبونة تقدّم لها نصائح طبية، فخمنت أنها طبيبة. سمعتها تقول للطبيبة :
«ابني يعاني من درجات حرارة مرتفعة جدًا، اضطررنا إلى حمله إلى المستشفى، و للأسف لم تنخفض الحمى، و قد تركته اليوم و اضطررتُ للمجيء إلى العمل».
فسألتها الطبيبة عن الأعراض الأخرى لمرض الطفل. كنت أستمع و أنا شاردة الفكر: أمٌّ ابنها الصغير في حالة خطر، لكنها مجبرة على العمل خارج البيت و تركه في رعاية أحد أفراد أسرتها، بينما الطفل في أمسّ الحاجة إلى وجود أمه بجانبه. ما هذا العمل الذي يحرم طفلًا مريضًا من أمه ؟
و في موقف ثانٍ، موظفة سامية اضطرت إلى الاستئذان من رئيسها للعودة سريعًا إلى البيت، لأن ابنها يعاني من ألم في أسنانه، و لا بد لها من أخذه إلى طبيب الأسنان. فتساءلت مرة أخرى: لماذا تُجبر الأم على الاسترزاق فتترك أبناءها في لحظات و مواقف صعبة يواجهونها وحدهم، بعيدًا عن عطفها و حنانها و دعمها ؟
و ها هي أمّ توقف عملها لتلتحق بابنها المريض، عوض أن يُسند هذا العمل إلى رجل. فالرجل — و إن كان أبًا — غير مضطر غالبًا للتغيب عن عمله في حال مرض ابنه، لأنه يعلم أن لهم أمًّا تسهر عليهم.
إن سياسة المساواة بين الجنسين أضرّت بكيان الأسرة أكثر مما أفادته. و في ماذا ستفيد تلك الدنانير التي تكسبها الأم في آخر الشهر، و هي لا تعيش دقيقةً بدقيقة حياة أبنائها، و لا تشاركهم لحظات الفرح و لا لحظات الألم؟
*تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) واليونيسف (UNICEF) تؤكد أن وجود الأم — خصوصًا في السنوات الأولى — عنصر حاسم في الاستقرار النفسي للطفل، و في سرعة تعافيه من الأمراض، و في بناء شعوره بالأمان. غياب الأم القسري بسبب متطلبات العمل الكامل يؤثر سلبًا على الصحة النفسية و العاطفية للطفل، خاصة في حالات المرض.
*منظمة العمل الدولية (ILO) تشير في تقاريرها الحديثة إلى أن النساء العاملات بدوام كامل يتحملن عبئًا مزدوجًا: العمل المأجور خارج البيت، و العمل غير المأجور داخله، ما ينعكس في مستويات أعلى من التوتر و الاحتراق النفسي مقارنة بالرجال.