
استضافة قواعد تُستخدم في ضرب طرف ثالث ليست ترتيبًا أمنيًا عابرًا، بل هي تموضع استراتيجي صريح. و من يتموضع في معركة، لا يستطيع أن يطالب بالحصانة إذا تحركت المعركة نحوه.
في الشرق الأوسط الذي يُعاد تشكيله تحت ضغط النار، لم تعد هناك قواعد “محايدة”. كل مدرجٍ تقلع منه طائرة، و كل رادارٍ يفتح سماءه لضربة، و كل غرفة عمليات تُنسّق عدوانًا عن بُعد، هو موقفٌ سياسي قبل أن يكون إجراءً عسكريًا. الجغرافيا لم تعد مجرد أرض ؛ صارت قرارًا.
السيادة اليوم لا تُختبر بالشعارات و لا تُحمى بالبيانات الدبلوماسية، بل تُقاس بقدرة الدولة على أن تمنع أرضها من أن تتحول إلى أداة في حرب الآخرين. و من يسمح بأن تُستخدم قواعده لضرب طرف ثالث، لا يمكنه أن يدّعي الحياد ساعة يرتدّ الصدى.
الحروب الحديثة لا تعترف بالنيات، بل بسلاسل الفعل. و من يدخل تلك السلسلة – و لو بالتمكين اللوجستي أو الغطاء الاستخباري – يصبح جزءًا من معادلة الاشتباك، شاء أم أبى. لا توجد اليوم “مسافة آمنة” بين المنصة و الهدف، لأن المنصة نفسها قد تتحول إلى هدف.
لكن هذا ليس توصيفًا انفعاليًا، و لا قراءة سياسية منحازة. إنه منطق يُقرّه القانون الدولي ذاته.
الشرعية لا تُختزل في الاحتجاج
حين تتعرّض دولة لاعتداء مباشر، لا يعود الردّ ترفًا سياسيًا و لا خيارًا دعائيًا، بل يصبح شرطًا لبقاء المعادلة ذاتها. فالامتناع عن الرد لا يُقرأ حكمة، بل يُترجم اختلالًا دائمًا في ميزان الردع.
و لهذا جاء ميثاق الأمم المتحدة، في مادته الحادية و الخمسين، ليمنح الدول حق الدفاع عن النفس إذا وقع عليها اعتداء مسلح. لم يمنحها “حق الاحتجاج”، و لم يحصر الدفاع في حدود رمزية أو جغرافيا ضيقة، بل أقرّ مبدأ واضحًا: مواجهة مصادر التهديد و أدواته حيثما وُجدت.
الشرعية هنا ليست غطاءً لغويًا، بل قاعدة عمل.
فإذا كانت القواعد جزءًا من سلسلة العدوان، فإنها – بحكم الفعل لا الخطاب – تدخل في نطاق الرد المشروع.
الردع لا يقبل أنصاف الحلول. غير أن الشرعية وحدها لا تصنع التوازن.
في عالم القوة، الردع هو الفيصل.
الردع لا يعمل بنصف معادلة. لا يمكن لدولة أن تُهاجم من خارج حدودها، و أن تحتمي في الوقت نفسه بانتشارها الخارجي بوصفه منطقةً آمنة. إذا بقيت أدوات العدوان و قواعده خارج نطاق الكلفة، فإن ميزان القوة يختلّ لصالح من يملك القدرة على الضرب من دون أن يُضرب.
عند هذه النقطة، يتحول الامتناع عن استهداف المنصات إلى خلل بنيوي في معادلة الردع. الصمت هنا لا يُقرأ تعقّلًا، بل يُترجم ضعفًا. و الردّ الذي لا يعيد توزيع المخاطر، لا يردع… بل يؤجّل انفجارًا أكبر.
إما أن تكون كلفة العدوان أعلى من مكاسبه، أو يصبح العدوان أداةً منخفضة الثمن في يد من يملك التفوق.
حين يسقط قناع الحياد
غير أن الذروة السياسية لا تتوقف عند المعتدي المباشر، بل تمتد إلى من قرر أن يمنحه الأرض.
ثمة دول تعتقد أنها تستطيع أن تكون “مضيفًا” دون أن تكون “طرفًا”، و أن تفتح مدارجها و قواعدها و غرف عملياتها، ثم تختبئ خلف عبارة: لسنا جزءًا من النزاع. غير أن الحروب الحديثة لا تعترف بمثل هذا التجميل اللغوي.
في القانون الدولي، الحياد ليس توصيفًا ذاتيًا، بل هو التزام فعلي. الدولة التي تتيح استخدام أراضيها لعمل عسكري هجومي، تفقد عمليًا صفة الحياد، لأنها دخلت في سلسلة الفعل العدواني، و لو بالتمكين و الغطاء.
المنصة ليست تفصيلًا تقنيًا. المنصة قرار. و من يمنح القرار، يمنح جزءًا من السيادة.
إن استضافة قواعد تُستخدم في ضرب طرف ثالث ليست ترتيبًا أمنيًا عابرًا، بل تموضعًا استراتيجيًا صريحًا. و من يتموضع في معركة، لا يستطيع أن يطالب بالحصانة إذا تحركت المعركة نحوه.
الجغرافيا التي تتحول إلى نقطة انطلاق، تتحول في اللحظة نفسها إلى نقطة حساب. و من يراهن على أن النار ستبقى محصورة في اتجاه واحد، ينسى أن الردع لا يعترف بالمسافات الآمنة.
السيادة بين الحصن و المنصة
السيادة لا تُمارس انتقائيًا. لا يمكن لدولة أن تتحدث عن حماية أرضها و حدودها، بينما تسمح بأن تتحول تلك الأرض إلى أداة في معركة الآخرين.
من يفتح الأجواء و القواعد و المرافئ لعمل عدواني، لا يستطيع لاحقًا أن يحتجّ بأن الردّ “تجاوز حدوده”. لأنه هو من نقل المعركة إلى أرضه.
الحياد لا يُعلن… بل يُمارس. و من خرج من الحياد بالفعل، دخل المعركة بالضرورة.
اللحظة التي لا تحتمل الوهم
في لحظات الاختلال الكبرى، تسقط الأقنعة سريعًا. لا يبقى في الميدان سوى معادلة واحدة: من أطلق النار، و من مكّنها، و من ظنّ أنه سيبقى خارج الحساب.
الردّ على العدوان ليس فعلًا انتقاميًا، بل إعادة تعريف لحدود القوة. و ضرب أدواته و قواعده – حيثما كانت – ليس انزلاقًا إلى الفوضى، بل محاولة لردعها قبل أن تستفحل. أما المنصات التي اختارت أن تكون جسورًا للنار، فلا تستطيع أن تدّعي البراءة حين تعبر النار في الاتجاه المعاكس.
في هذا الإقليم الذي تضيق فيه المسافات بين القواعد و العواصم، و بين القرار و الجغرافيا، لم يعد ممكنًا الفصل بين الأرض و الفعل. من منح أرضه لعدوان، منح نفسه مكانًا في معادلته.
و التاريخ لا يرحم سوء التقدير.
من يفتح أرضه للحرب، لا يختار موقع المتفرج… بل يوقّع على دخوله ساحة الاشتباك.
و من يراهن على أن النار ستبقى بعيدة، قد يكتشف – بعد فوات الأوان – أنها كانت تحصي الإحداثيات بدقة.