
لا يُعَدّ التطور العلمي مخرجًا للخلاص بالنسبة للدول المتخلفة، و إنما هو رافد بالغ الأهمية للسيادة و الاستقلالية الحضارية. و أوضاعنا تثبت أننا لا نملك الإرادة الحقيقية للتحول من التبعية إلى الاستقلالية الحضارية، و ما دمنا نرفض دفع ثمن التحول، سنظل في موقع الضعف، خاضعين لمنطق الكبار المتعجرف، و قد نكون بذلك قد عجّلنا بزوالنا ؛ فالدول الضعيفة لا تملك القدرة على الصمود أمام مدّ التطور الذي تتحكم فيه التكتلات و القوى العظمى.
اليمين القومي في الغرب عاد إلى تفعيل قيمه الروحية المستمدة من هويته المسيحية-اليهودية، بعدما تأكد من عدمية القيم المادية و إفلاسها و خطورتها. أما قارة آسيا، فهي موطن الحضارات القديمة، و شعوبها لم تهضم الثقافة الغربية الغازية هضمًا كاملًا ؛ فالهند، التي أزاحت اليابان من المرتبة الرابعة اقتصاديًا عالميًا، اعتمدت على منظومتها القيمية الهندوسية لترتقي إلى مصاف الدول المنتجة للمعرفة، و ذلك مقابل تضحيات جسيمة بذلتها للخروج من دائرة الفقر و الجهل.
أما أوضاع العالم العربي الإسلامي، فنرى فيها بوارق أمل من ماليزيا إلى إندونيسيا إلى تركيا، لكنها تبقى غير كافية ما لم تُحدَّد بوضوح مرجعيتها في الحكم، و نوعية الاقتصاد الذي تسعى إليه، و نموذج التطور العلمي الذي ترنو إليه. فنحن، من دون منظومة قيمية رسالية ترسم معالم السياسة و سائر ميادين الحياة، يصعب علينا ضمان استقلالية حضارية حقيقية.*
* فبحسب تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) و منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية (OECD)، فإن الدول التي نجحت في الانتقال من الهشاشة إلى الفاعلية لم تفعل ذلك عبر استيراد التكنولوجيا فقط، بل عبر امتلاك إرادة سياسية، و رؤية قيمية، نموذج حضاري واضح.