سياسةنظرات مشرقةيهمكم

السيطرة على سلاسل الإمداد تمثل أداة نفوذ سياسي و استراتيجي بالغة الأهمية

بقلم عفاف عنيبة

رسمت جائحة كورونا (كوفيد-19) ملامح نهاية مرحلةٍ من العولمة، بعدما وجدت دولٌ عظمى نفسها رهينة لسلاسل الإمداد التي كانت الصين تتحكم في جزءٍ حيويٍّ منها، بفعل احتكارها لإنتاجٍ ضخم من المعدات الطبية الأساسية، و على رأسها الأقنعة الواقية، و هو ما عجزت دول كبرى عن توفيره لمواطنيها في ذروة الأزمة.

و قد بات الاقتصاد في زمننا الحاضر عصب الحرب و أحد أعمدة الأمن القومي، و أصبحت السيطرة على سلاسل الإمداد من أولويات الدول الكبرى ؛ لأن من يتحكم فيها يمتلك قوة اقتصادية معتبرة، و قادرًا على فرض شروطه السياسية و خنق خصومه بالعقوبات.

و نرى كيف أن أكثر من أربعة عقود من العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران كانت، في كل مرة و مع عوامل أخرى، من بين الأسباب التي فجّرت احتجاجات شعبية داخلية. كما شهدنا الموقف المؤسسي الغربي من الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث جرى الرد على العمل العسكري بحرب اقتصادية قاسية و غير مسبوقة.

و قد أكدت منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية (OECD) أن السيطرة على سلاسل الإمداد تمثل أداة نفوذ سياسي و استراتيجي بالغة الأهمية. و من المعلوم أن الدول المنتِجة للطاقة الأحفورية، كالنفط و الغاز، بما فيها الدول الأعضاء في منظمة أوبك، لا تملك في الغالب الوسائل الكاملة التي تسمح لها بمعالجة هذه الموارد و تصنيعها و تخزينها و توزيعها، و هي مراحل حاسمة لا تزال في يد الدول الصناعية المتقدمة التي تفوقت بفضل تطورها العلمي و التكنولوجي.

و لهذا تحرص هذه الدول على احتكار هذا الدور الخطير، بما يمكّنها من إدارة شؤون العالم وفق مصالحها القومية الضيقة. و قد وضعت منذ جائحة كوفيد-19 حدًا لمرحلة بعثرة سلاسل الإمداد، عبر إلزام الشركات العابرة للحدود بتحمّل مسؤوليات أكبر في حماية اقتصادات الدول الكبرى، لا في خدمة منطق السوق الحر المجرد كما كان الحال سابقًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى