نظرات مشرقةيهمكم

الحرب الهجينة و إنقاذ المركب

بقلم عفاف عنيبة

إن نهج ترامب في فرض التطبيع على الدول غير المطبِّعة يدفعنا إلى القول إن قضية فلسطين ليست  قضية مركزية في الأجندة الدولية، فلسطين لم تعد قضية تقرير مصير في المنظور الغربي، بل ملفًا أمنيًا يُدار بما يخدم استقرار الكيان الصهيوني و  الأمريكيين، سواء كانوا جمهوريين أم ديمقراطيين، اليوم و غدًا، سيواصلون تركيز سياساتهم الخارجية على إنهاك الخصوم من الداخل.

و نرى اليوم ما يجري في إيران من محاولات خطيرة لتقويض حكم الجمهورية الإسلامية بأيدٍ محلية، إذ يعوّل الأعداء، من الإدارة الأمريكية إلى بني صهيون، على عوامل الضعف الداخلية أو لنقل الحرب الهجينة و التي تقوم علي إثارة الإنقسامات الداخلية، تضخيم السخط الإجتماعي و ممارسة ضغوط إعلامية و إقتصادية مع رزمة العقوبات. فالدول التي تفشل في بناء اقتصاد منتج، و تحكمها طبقة سياسية مستبدة و فاسدة، و تعاني من تبعية معرفية و تكنولوجية، تصبح سهلة الاختراق و نشر الفوضى داخلها. و بهذا تضمن القوى الكبرى استمرار هيمنتها العسكرية و الاقتصادية، و ألّا يهدد أحد وجود الكيان الغاصب في فلسطين.

فلا مكان للضعفاء حضاريًا في عالم يُدار لخدمة مصالح الكبار في المقام الأول. و التحدي الذي نعيشه اليوم يتمثل في أن العالم العربي الإسلامي، الذي كان وحدة ترابية و سياسية و اقتصادية في أواخر العهد العثماني، قد أصبح بعد الاحتلال ثم الاستقلال الصوري لبعض أجزائه في موقع لا يُحسد عليه، عاجزًا عن النهوض الحضاري.

لقد بدّد الانقسام، و الصراع العرقي و المذهبي و الديني، و تضارب المصالح داخل النخب السياسية و الاقتصادية، و تركّز الثروة و النفوذ في أيدي أقلية فاسدة، فرص الانبعاث المنشود. و الخروج من دائرة الانحطاط يستلزم قدرًا كبيرًا من الوعي، و استعدادًا للتضحيات، و ذكاءً في إدارة النزاعات و حلّها.

لم نعد نملك الوقت و لا خيارات متعددة؛ فالحرب المعلنة تضعنا أمام مسؤولياتنا التاريخية، و تفرض علينا واجب إنقاذ مركبنا قبل أن يغرق بالكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى