إسلاميات

مسلم اللّامبالاة

بقلم الأستاذ محمد الأمين مقراوي الوغليسي

كانت العرب في الجاهلية غارقة في الفوضى و هائمة في التوحش، لا تعرف انضباطًا في سلوكها، و لا رشدًا في تفكيرها، و لا انتظامًا في تدبيرها، حيث تعودت القبائل العربية على حياة النهب السلب و السبي، و ألِفت الإغارة على بعضها البعض.

فكان قانون الغاب هو القانون الحاكم فيهم، و سادت فيهم نفسية التوحش حتى أكلت فطرتهم، إلى أن جاء الإسلام و نشر روحه السمحة الحضارية فيهم، فغيَّرهم تغييرًا تامًا، فصاروا رعاة الأمم بعد أن كانوا رعاة الإبل، و صار هَمُّ الواحد فيهم نشر مبادئ الإسلام و رسالته، في أصقاع الأرض، لا يدخر في ذلك جهدًا، و لا يشح بمال، فغيَّر الله الأرض على أيديهم، و ملأها عدلًا و سعة، بعدما غرقت في الظلم و الاستعباد قرونًا، حتى سرت هذه الروح في عمق النفس المسلمة، و صارت جزءًا محركًا لها، و لا ينفصم ذلك عن تكوينها.

فالمسلم هو التقدمي المتحضر، الذي لا يقبل السكون و القعود، بل حيثما كان غيَّر و أثَّر، و ظل الأمر كذلك، إلى أن ابتلينا بهذه العقود الأخيرة، التي لم يعد المسلم فيها، يشابه سلفه الأول، إلا في الاسم، و بعض التقاليد، إنه مسلم التبعية و الركود و اللامبالاة، مسلم غارق في التسيب إلى رقبته، مهمل لأدنى الواجبات، معرض عن أغلى المهمات من حراسة الدين و الدنيا.

و لا شك أن هذا الخَلْفَ نتاج لهذه المنظومات المتخلفة المستبدة، التي أخرجت أجيالًا قاعدة عن البذل و العطاء، بل و كرّست فيهم التسيب و الإهمال و التواكل على الأخر، بل صار الواحد فيهم يتفوه بعبارات مثل (من العمل إلى المنزل) (تبعد عن راسي)..

لو تأملنا هذه العبارات و وقفنا أمامها وقفة تأمّل و تحميص، لوجدناها عبارات معبرة عن واقع الحال، من تردٍ في نفسية المسلم، و انحطاط في الهمة، و شلل في الإرادة، و قصور في الفكر، إنها تعني أن هذا المسلم لا يعنيه ما يقع حوله، و أنه مستقيل من تبعات الحياة، و أنه قد أقال نفسه من عملية التغيير و الإصلاح و الانجاز، و هو مسلم يخالف في ذلك أدنى ما كان يطلبه منه الإسلام، فقد كان النبي عليه الصلاة و السلام يديم الاستعاذة من العجز، و كان يفعل ذلك كل صباح، حتى يربط الأمة بحياة العمل و نفسية البذل، و حمل همّ مواجهة الحياة، أما اليوم فان المسلم قد جمع العجز في الفكر و اللسان و اليد، بعد أن تنكّب هدي النبي عليه الصلاة و السلام في خوض معترك الحياة و تبعاتها الجمّة، لقد جعل الإسلام إماطة الأذى من الطريق من شعب الإيمان، و علامة واضحة على حركيته في قلب المسلم- رغم أنه سلوك يحتقره الكثير من المسلمين – فكيف يفسر -اليوم- موقف المسلم المتخاذل حتى عن نصرة نفسه و عرضه، و صيانة ماله، و هو الذي يتلو آيات البذل و العطاء، و يمر بقصص أولي العزم، و يقرأ أحاديث العمل و أدعية القوة و النشاط؟

إن الأسباب كثيرة، و لكن السبب الرئيس هو هذه المنظومات، التي مجدت و قدست شخص الحاكم عبر عقود طويلة، و همشت و ألغت دور الفرد من الحياة، حتى لم تعد له غاية سوى الأكل و الشرب و النوم، و تم ترسيخ أفكار هدامة لكل محاولة توثب إيجابي في الحياة، فقضايا المسلمين من اختصاص الحاكم وحده، و تقرير مستقبل الأجيال من صلاحيات الحاكم وحده، و هو وحده المخول في التصرف في ثروات الأمة و مقدراتها، وفق ما يراه هو و يشتهيه، و هو صاحب الشأن الأوحد في التعامل مع المنظومات التربوية تبديلًا و إلغاءً و تلاعبًا، و هو صاحب الأمر الوحيد في تحديد المنكر، و أما الرعية الضائعة، فإن مهمتها تقتصر على الجلوس خلف شاشات التلفاز، و الإشادة بإنجازات فخامته و عصابته، أو الجلوس وراء جدران الجريدة و قد سلمها عقله طواعية و سلمًا، تشكل له المشهد وفق رغبات صاحب الجلالة و حاشيته، و هكذا تتوالى الأيام على المسلمين تصفيقًا و قعودًا، فلا دور لهم، بعد أن ترسخ ما أرادته هذه المنظومات في نفوسهم المنسحقة، من أنه لا أهمية لهم في الحياة، و لا دور لهم في تحريك دفة السفينة، إنما عليهم الخضوع و السكون، و ترك الأمر للحاكم الراشد و عصابته الشريفة، فذلك سر بقائهم و استقرار أمنهم، و أي محاولة لأخذ زمام مبادرة راشدة، أو إحياء فقه الحياة الصالح، فإنها تعني الفوضى، و الجوع، و بالتالي الضياع في غياهب المجهول، و الانحدار في غير ما هو مأمول.

لقد بنت هذه المنظومات جدرانًا متعالية في حياة المسلمين، مادتها التسيب، و أساسها التميع، و إسمنتها الركود، و لبناتها اللّامبالاة، و أعمدتها التقاعس، فحالت بين المسلم و بين الحركية في الحياة، و التفاعل الإيجابي معها، تغييرًا و تقريرًا و إصلاحًا و ترشيدًا، فصرنا نقرأ إحصائيات رهيبة عن ارتفاع عدد الجرائم في المجتمع، و تفشي ظاهرة الانتحار، و ظهور الشذوذ و كثرة الطلاق، و تغلغل الاكتئاب و الإدمان في حياة المسلمين بشكل مخيف، و لذلك وجب أن نساهم جميعًا في هدمها من نفوسنا، و أسرنا، و مدارسنا، و جامعاتنا، و مساجدنا، و مؤسساتنا، و إزالتها عن كل مساحات الحياة، قبل أن يعم القحط روح المجتمع، و قبل أن يزحف الخراب على الضمائر المتبقية، و يفسد الأجيال القادمة.

أخي المسلم أختي المسلمة:

لقد علمنا الإسلام أن لا نترك أهم الواجبات في أحلك الظروف، فشرع لنا الصلاة على الفرس حال الحرب و النزال، و شرع لنا تغيير الأوطان إن حالت بيننا و بين ديننا و حياتنا فقال تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}.

و علمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم غرس الفسيلة حتى و إن قامت القيامة، و أُغلق باب العمل و الأمل، فقال: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَ بِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ)  صححه الألباني.

فلا يليق بنا بعد هذا أن نرضى بحياة التسيب و التيه عن دورنا الحضاري الحركي النافع فيها، و يتأكد دورنا اليوم أكثر فأكثر مع ما تعانيه أمتنا من ضياع و تشتت، و قد تداعت عليها الأمم تنهشها طولًا و عرضًا.

فالله الله أخي المسلم في منطق البذل و العطاء، و حياة الجد و العمل {وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ}.

الرابط : https://islamsyria.com/ar/%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى