
مع بداية تأسيس أسرة، لا بد لنا من التزود بثقافة التعرف على الطرف الآخر، بطرق واضحة المعالم، تجعل كلى الطرفين على بيّنة من أمرهما، و من الجميل كذلك أن يكون لنا من الأصدقاء المخلصين أو من ذوي القربى من لهم تجارب حيّة و مباشرة، فيطلعوننا عليها، و يعرفوننا بخباياها فتضيف إلى رصيدنا المعرفي بالحياة الجديدة التي نحن مقدمون عليها ما يكون لنا عونا على حسن اختيار الطرف الثاني، و تبصرتنا بالأسس التي يبنى عليها اختيارنا له، هل يتم على أساس الجمال ؟ أم على أساس المال؟ أم الشخصية التي كانت تظهر لنا على شكل فارس أحلام؟ أم الشخصية التي تتمتع بالمسؤولية و الوعي و الإدراك لما تعنيه كلمة “أسرة” حتى نتقي الكثير من المطبّات الكبرى التي تكون في كثير من الأحيان من الأسباب و الدواعي لانهيار الأسرة و تقويض أركانها؟
نحن نتعلم أشياء كثيرة في هذه الحياة، و لكن للأسف الشديد لا نتعلم قط أسس الزواج و ما يترتب عنه بعد تأسيس الأسرة المنبثقة عنه، لذلك نفاجأ بانفجار الخلافات بيننا، و نصطدم بالحقيقة المرّة، و هي أننا قد اخترنا الشريك الخطأ، و أن تلك الأحاسيس التي تسمى “حب” دفعتنا إلى الطريق الخطأ فأسأنا الاختيار، و ما ذلك إلا لأن زادنا المعرفي عن مطالب الأسرة و احتياجاتها كان منعدما أو قليلا في أحسن تقدير.
وما نراه اليوم رأي العين، عن المشاكل الأسرية التي لا تُعد و لا تُحصى، بداية من الأخلاق التي انهارت على عتبات شبكات التواصل الاجتماعي، و التي تتمثل في الابتزاز للقاصرات اللاتي هربن بأفكارهن إلى هاته الشاشات الصغيرة، ليقعن فريسة لوحوش بشرية، أولئك الشباب اللذين تركوا الدراسة في سن جد مبكرة، فوجدوا أنفسهم وجها لوجه مع تجار المخدرات، الذين راحوا يشجعونهم على تعاطيها أو المساهمة في ترويجها، فإذا أضفنا إلى ذلك ظاهرة الانتحار التي تفشت بين الأطفال و المراهقين، و الهروب من البيت، و سرقتهم لمدخرات الآباء و الأمهات، يؤكد فداحة المآسي التي باتت تتخبط فيها الأسر اليوم، و ما كان ذلك ليكون لو أن طرفي الأسرة كان على وعي تام بمفهوم الزواج، و دور الأسرة و وظيفتها؛ فالأم و الأب هما عماد الأسرة و نواتها، و لكل منهما دوره و مسؤولياته المحددة فيها، و هما مكملان لبعضهما البعض، و أي خلل يطرأ على أحدهما يرتد بالضرورة سلبا على دور الآخر و وظيفته، و ليس لهما أن يلقيا بتبعة ما يطرأ على الأولاد من انحراف على التحولات الاجتماعية وحدها، و إلاّ فأين هو دورهما إذن؟ في احتواءهم في طفولتهم و مراهقتهم، و أين الاهتمام بشؤونهم في جميع المجالات؟ و أين دورهم في الاستماع و مراقبة التغيرات التي تطرأ عليهم و على شخصياتهم؟ و سلوكاتهم في مرحلة المراهقة؟ و توجيههم و دعمهم و تقديم النصح لهم بذكاء و مرونة؟ و عدم النقد المستمر و الجارح؟ و هل قدما لهم حبا غير مشروط؟ و تقبلوهم كما هم؟ و لم يفرقوا بينهم في الحب و الاحترام؟
إن دور الأسرة لا ينحصر في مجرد توفير المطالب المادية من مأكل و الملبس فحسب، بل يتعداه إلى توفير المطالب النفسية و الروحية و العقلية، و معنى ذلك أن الأسرة مطالبة بحسن تربية أولادها، و أن تتعهدهم من الناحية الدينية و الأخلاقية، و أن تكفل لهم تعليما ينمي عقولهم و يقوّم سلوكياتهم، و يجعلهم يطلبون الأمثل و الأكمل، ذلك هو نصف الكوب الفارغ الذي ينبغي على الأسرة أن تحرص على ملئه حتى تكون قد أدت وظيفتها، و لعبت دورها، و ضمنت لأبنائها حياة طيبة مستقرة، و جنبتهم المزالق الخطيرة التي تجعل حياتهم – لا سمح الله – جد مريرة.
الرابط : https://elbassair.dz/2845/