
«فكّرتُ مطوّلًا أثناء وباء كورونا (كوفيد-19) و أيّام الحجر: هل عملي هو ما أريد فعلاً القيام به ؟ فكانت الإجابة: لا. حينها لم أتردّد في تقديم استقالتي و العودة إلى مزرعة العائلة، و التفرّغ للعمل هناك».
هذه شهادة مهندسة في المعلوماتية.
من الصعب جدًّا في مجتمعاتنا أن يراجع الإنسان قراره في العمل أو في المهنة التي اختارها ؛ ففرص التوظيف أو الانطلاق في مشروع جديد غير متاحة، بل إنّ همّ الفرد ينحصر في كيفية الحفاظ على منصبه. أذكر ما باحت لي به صديقة منذ عشرات السنين ؛ كانت تفضّل أن تكون طبيبةَ علم نفس، لكن معدّلها لم يسمح لها بذلك، و حتى بعد ترسيمها في مهنة عالية الكفاءة، لم تتجاوب نفسيًّا مع التزاماتها الوظيفية.
فكرة تغيير العمل تصلح في المجتمعات المزدهرة معرفيًّا، خاصّة في المرحلة التي لا يتحمّل فيها الفرد مسؤوليات أسرة، أو حين يكون الأبناء قد كبروا و استقلّوا. أمّا في محيطنا فالوضع يختلف تمامًا ؛ نحن نعمل لنعيش، و التحوّل من وظيفة إلى أخرى يتطلّب قدرًا كبيرًا من المغامرة لا يجرؤ عليها كثيرون.
فاعتبارات عديدة تدخل في الحسبان، أهمّها أنّنا عند تجاوز الأربعين لا نملك حماسة و قوّة البدايات، كما أنّ المسؤوليات العائلية تحدّ من طموح المرء و لا ترى نفسها قادرة على رفع التحدّي بعد تخطّي عتبة التقاعد إلا قلّة قليلة جدًّا.
* تؤكّد تقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي و التنمية (OECD)، أنّ أسواق العمل في الدول النامية تتّسم بضعف الحركية المهنية، و قلّة شبكات الأمان الاجتماعي، ما يجعل فقدان الوظيفة مخاطرة وجودية لا خيارًا قابلًا للتجربة.