قضايا حضارية

ثقافة الاستعداد و الجاهزية: كيف نواجه عواصف الحياة؟

بقلم الأستاذ محمد عطية

تعتبر ثقافة الاستعداد والجاهزية من أهم السمات التي تميز الإنسان الناجح في مواجهة التحديات؛ حيث يحفل الأدب الشعبي بالكثير من القصص الواقعية و الخيالية تلك القصص التي تصف الإنسان و تقدم له الحكمة ؛ و من هذه القصص أن رجلاً في قرية تمر بها الكثير من العواصف و الزوابع التي تطيح بالأسقف و تهدم المباني البسيطة.

قصة المزارع الذي ينام وقت العواصف
كان الرجل صاحب مزرعة يربي فيها الماشية و يحتفظ بمخزونه من طعام الحيوانات و ما تخرجه الأرض، و نظراً لكبر حجم العمل يحتاج الرجل إلى مساعد. يأتي المساعد ليعمل في بناء المخازن و أماكن تربية الحيوانات، ثم تهب العاصفة فتفسد كل شيء و يخسر معها المزارع جزءاً من ثروته.

و تفادياً لمزيد من الخسائر، بدأ المزارع يتحقق من عماله الجدد فيسألهم: “هل عملت في بناء المخازن و صيانة المباني؟”، فيقول أحدهم: “نعم، و أبي و جدي كذلك ورثناها كابراً عن كابر”، و ما هي إلا أسابيع حتى تهب العواصف و يخسر المزارع جزءاً من ماشيته و مبانيه.

واصل رحلة البحث عن مساعد جديد حتى وجد رجلاً في قرية بعيدة عن قرية الكذابين هذه، سأله: “هل عملت في بناء المخازن و صيانتها و تربية الماشية؟”، قال: “أنا الذي أنام عندما تهب العواصف”. كرر المزارع السؤال و كرر المساعد الإجابة.

لم يسترح لغيره ممن رآهم من العمال، و من ثم اصطحبه لقريته. مارس المزارع عمله الاعتيادي و راقب العامل فوجده يعمل بجد و نشاط. هبت العاصفة، هرع المزارع إلى العامل و على لسانه كلمة واحدة: “العاصفة.. العاصفة!”، رد المساعد: “ألم أقل لك: أنا الذي أنام عندما تهب العواصف؟”.

لم يجد الرجل فائدة من الحديث معه، و ذهب لكي يصون أمواله و يقوي البنايات و ينقذ ما يمكن إنقاذه، فوجد الأسقف في مكانها و مخازن الغلال محفوظة. عاد إلى المساعد شاكراً. هذه القصة الرمزية أو الحقيقية نحن بحاجة إليها باستمرار ؛ فإن عواصف الحياة لا تنقطع، فإذا ما هبت عاصفة وجدنا أنفسنا في قمة الجاهزية.

مفهوم الاستعداد و أبعاده
و للاستعداد أوجه كثيرة؛ بدءاً من إعداد الخطط و الخطط البديلة، و الاستعداد باختيار أنسب الطرق للوصول لأهدافنا، و الاستعداد باختيار الشخص المناسب الذي يقوم بالعمل.

و إذا أردنا أن نعرف وصف النبي ﷺ و رسالته فلنعد إلى قوله: (أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ، فَالنَّجَا النَّجَاءَ، فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَ كَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ) [1]. في القديم إذا رأى الرجل جيشاً مهاجماً خلع ثيابه و أشار بها إلى قومه لكي يتجنبوا هذا الهجوم، فالذين استعدوا و استمعوا للإنذار نجوا، و الذين قالوا هذا إنذار كاذب هلكوا.

الاستعداد في حياة المسلم
و كلما اقترب شهر رمضان أكثر الخطباء و الكتاب من الحديث عن الاستعداد لشهر رمضان؛ لما له من مزايا عديدة و منزلة عظيمة عند الله تعالى و عند الناس. و الحق أن المسلم دائماً على أهبة الاستعداد، و لما سُئل النبي ﷺ: «مَتَى ‌السَّاعَةُ؟ قَالَ: (وَ مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا)» [2].

ما أعددته للساعة قد يكون أمراً تتغير به الكرة الأرضية و الحضارة الإنسانية، و قد يكون كصفة الرجل الذي قال عنه النبي ﷺ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» [3]، و كانت صفته التي جعلته من أهل الجنة: “غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَ لَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ” [4].

مجالات الاستعداد من وحي السيرة النبوية و السلف
و أوجه الاستعداد في حياته ﷺ و حياة الصالحين من بعده كثيرة، منها:

1. الاستعداد للهجرة و بناء المجتمع
قبل أن يهاجر النبي ﷺ إلى المدينة أرسل مصعب بن عمير و قام رضي الله عنه بدوره خير قيام فـ «لَمْ تَبْقَ ‌دَارٌ ‌مِنْ ‌دُورِ ‌الْأَنْصَارِ إلَّا وَ فِيهَا رِجَالٌ وَ نِسَاءٌ مُسْلِمُونَ» [5]. أعد مصعب بن عمير رضي الله عنه المدينة لاستقبال النبي ﷺ أحسن استقبال و جعل منها بفضل الله تعالى بيئة خصبة للإسلام.

2. الاستعداد للمواضع المرموقة و المسؤولية
قال عمر رضي الله عنه: “تفقهوا قبل أن تسودوا“، وَ قَالَ أَبُو عبد الله البُخَارِيّ: “وَ بعد أَن تسودوا” [6]. أشار الشراح إلى أن من كان في مكانة مرموقة يستحي أن يتعلم بعد أن وصل إليها حتى لا يستصغره الناس، و هناك معنى يمكن أن نشير إليه و هو أن المسؤولية العامة تحتاج إلى علوم و مهارات كثيرة، و أن من تولى هذه المسؤولية دون أن يمتلك التأهيل المناسب يعجز عن القيام بما كُلف من أمانة، و ذلك بسبب ضيق وقته عن التعلم و اعتزازه بالمنصب الذي يجعله دائماً في موضع المعلم و الخبير الذي ينبغي أن يفهم في كل شيء، و لذلك يمكن حمل هذا الأثر على الاستعداد لتولي المسؤوليات العامة بالعلم و الخبرة اللازمين.

3. الاستعداد للقاء الله بالتوبة

يكون بالتوبة و هي علم بما يجب على المسلم نحو ربه و نفسه و الناس و ما وقع فيه من أخطاء، و ندم على ما قصر في حق الله تعالى و حق الناس، و حال يتغير من السيئ إلى الحسن، و تقصير يكمله بأداء ما لم يؤده من أمانات ائتمنه الله تعالى عليها، و أخطاء يصححها.

4. الاستعداد لمواضع البذل و التضحية
و هي شديدة على النفس التي تحب الحياة و تحب المال، و تقديم كل ذلك أو بعضه طلباً لرضا الله يحتاج لجهد كبير و تزكية للنفس و ترغيبها و ترهيبها.

الاستعداد في الشأن الشخصي والأسري
استقبال الضيوف: كلما انتظرنا زائراً له مكانة في القلب استعددنا له من نواحٍ كثيرة منها: إعداد الطعام الذي يحبه الضيف، وتهيئة البيت لاستقباله، واقتطاع جزء من وقتنا حتى نسعد بالضيف ويسعد بنا.
الاستعداد للزواج: يحتاج إلى استعداد ليس بالمال والمنزل فحسب، بل إلى تهيئة نفسية وعقلية واجتماعية للزوجين، وإدراك لما سيقبلان عليه من واجبات تقتضي عقلاً راجحاً وصبراً جميلاً وفضلاً ورحمة وتغافلاً عن الصغائر وتقديراً للمعروف ومعرفة بحل الخلافات وتغليباً لمصلحة الأسرة على الرغبة في الاستحواذ على دفة قيادتها.
تأمين مستقبل الأبناء: وهو أمر يشغلنا كثيراً، ويسير الناس في طرق معوجة ظناً منهم أنها تؤمن مستقبل أبنائهم، وقد أرشدنا الله تعالى في كتابه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]. وبين رسوله ﷺ أهمية ترك النفقة بقوله: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ ‌عَالَةً ‌يَتَكَفَّفُونَ ‌النَّاسَ» [7]. وقبل ذلك وبعده بناء اليقين عندك وعند أبنائك في الله تعالى؛ إنك تذهب مطمئناً إلى ماكينات الصرافة طالما تعلم أن حسابك فيه أموال، أفلا تطمئن إلى خزائن الله تعالى المليئة بالخير؟ ولو وقف الأولون والآخرون لكي يأخذوا ما يحتاجون فلن تنفد ولن تنقص.
الاستعداد للعبادة والبلاء
الصلاة: تحتاج إلى استعداد وتهيئة من تفريغ العقل والقلب من الشواغل قدر الطاقة، والحضور قبل الصلاة بوقت تتيسر فيه تهيئة النفس بالذكر أو بالصلاة، لنصل إلى ما قاله النبي ﷺ: “أَرِحْنَا ‌بِهَا” [8].
أجر الاستعداد: يعد الاستعداد الخطوة الأولى للعمل الصالح، ولذلك فلصاحبه إن شاء الله أجر يبدأ مع النية، قال رسول الله ﷺ: «نِيَّةُ ‌الْمُؤْمِنِ ‌خَيْرٌ ‌مِنْ ‌عَمَلِهِ» [9]، وصولاً إلى كل خطوة يخطوها الإنسان ليحقق الجاهزية الكاملة.
الاستعداد للبلاء: الدنيا دار ابتلاء، فإذا أيقن الإنسان ذلك استعد للبلاء بما يستعد به عباد الله الصالحون، وذلك بالتقرب إلى الله تعالى زمن الرخاء، وفي قوله ﷺ: «‌تَعَرَّفْ ‌إِلَى ‌اللَّهِ ‌فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» [10] إشارة إلى أن العمل الصالح في وقت السعة يفرج الله تعالى به الكربات ويزيح به الهموم.
وعَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ: «أَنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا دَعَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ غَرِيبَةٍ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَبْدِي يُونُسُ، قَالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: يَا رَبِّ، أَفَلَا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهِ مِنَ الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ بِالْعَرَاءِ». وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ: “اذْكُرُوا اللَّهَ فِي الرَّخَاءِ، يَذْكُرْكُمْ فِي الشِّدَّةِ، إِنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، فَلَمَّا وَقَعَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ – لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 – 144]” [11].

منارات في ثقافة الاستعداد
الاستعداد يعني وضوح الرؤية وتحديد الهدف، وهذا يقتضي الانتباه للفرص السانحة وحسن استثمارها.
هناك استعداد فطري يملكه شخص صاحب همة عالية يحسب لكل أمر حسابه ويهيئ العدة لكل موضوع، يفكر في كلماته قبل أن ينطق، يختار المكان الذي يجلس فيه. وهناك استعداد مكتسب يأتي بالتربية والتأهيل؛ تأهيل الروح لما هي مقدمة عليه والتمرين على الصبر من خلال العبادات، فالصوم نصف الصبر، وتنمية الإرادة القوية المبادرة.
من الاستعداد البحث عمن يعينك على ما تريد.
كل جهد تبذله في الإعداد يوفر عليك الكثير من الوقت والجهد، وكلما كان الاستعداد صفة ملازمة كلما تراكمت الخبرات وانتفع الإنسان بالتجارب.
قد تٌعِد لشيء وتجني ثمرته وينتفع غيرك بالثمرة، وقد تٌعِد لشيء ويأتي غيرك ليقطف الثمرة، لا تظن أن ما بذلته من جهد قد ضاع؛ فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره.

الرابط : https://islamonline.net/%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b9%d8%af%d8%a7%d8%af-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%87%d8%b2%d9%8a%d8%a9/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى