سياسةنظرات مشرقةيهمكم

الفرار من الوطن ليس بطولة

بقلم عفاف عنيبة

قرأتُ في الصباح الباكر مشروعَ قانونٍ يُناقشه البرلمان الإيطالي، تقدّمت به رئيسةُ الوزراء السيدة ميلوني، حول الحدّ من هجرة الجنوب إلى الشمال. و قد نصّ المشروع على فرض “حظرٍ بحري” في وجه المهاجرين غير الشرعيين، و مختلف المنظمات الحقوقية. و مع ذلك صفق له اليمين الفرنسي، و هم بدورهم يهيّئون الظروف لرئاسياتٍ يفوز فيها مرشحٌ يمينيٌّ قومي.

و طبعًا نحن في الجنوب معنيّون بإجراءات الشمال، لأننا نحن من تقع علينا مسؤولية التعامل مع مغامرة الهجرة غير الشرعية انطلاقًا من سواحلنا و أراضينا.

في كل مرة نجد أنفسنا بين المطرقة و السندان: إمّا إرضاء الشمال على حساب سيادتنا، و إمّا إرضاء الجنوب على حساب علاقاتنا. هذا، و كثيرون في الشمال، و منهم إيطاليا، لا يفهمون كيف يهاجر شباب الجزائر بصفة غير شرعية إلى أوروبا، و بلدهم غنيٌّ بالموارد البشرية و المادية؟

في كندا أوقفوا استقبال الوافدين من المهاجرين الشرعيين، و وضعوا شروطًا صارمة لقبولهم. و في كثير من الدول تُغلق الحدود في وجه الحالمين بواقعٍ أفضل. و لا أدري أيّ “جنة” يبحثون عنها في الشمال المهدَّد من كل جانب: من روسيا في الشرق، و من الغرب أمريكا وتقلباتها، فضلًا عن أنماط المعيشة المخالفة لقيمنا، و دوامة الضرائب بمختلف أشكالها و عناوينها.

يبقى أنّه إلى حدّ الساعة لم نفلح في الحدّ من هذه الظاهرة الخطيرة. نُربي و نُعلّم، ثم يذهب رأسُ المال البشري إلى غيرنا ليدعم صفوفهم، و يزيدهم قوةً و نفوذًا علينا، بالطبع.

لا نزال نتعاطى مع الهجرة غير الشرعية بشكل غير كاف. لا بدّ من سنّ قوانين رادعة، و تحميل الأولياء مسؤولياتهم تجاه أبنائهم، و تليين أجواء الاستثمار لامتصاص أكبر قدر من اليد العاملة. كما لا بدّ لكل الفاعلين في الميدان من العمل على ثني مرشحي الهجرة غير الشرعية عن نواياهم، و مدّ جسور الحوار و التوظيف إليهم، و توعيتهم بما ينتظرهم من مخاطر.

هذا، والفار من بلده ليس بطل. و إيطاليا جادة في إيقاف المدّ البشري نحو جزرها و أراضيها، و هذا حقّها السيادي. و نحن أيضًا مُلزمون، بمقتضى مسؤولياتنا الحضارية و الوطنية، بمعالجةٍ جدّية لمشكلةٍ أصبحت تُشكّل في الشمال تهديدًا أمنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى