عندما تنقل الزوجة الزوج من الإمتلاك إلي الإستحقاق
بقلم عفاف عنيبة

كنتُ أقرأ فصلًا من كتاب دافني دي مورييه «ريبيكا»، وقبل أن أنتقل إلى الفصل الموالي قرأتُ قصةً قصيرةً حول علاقة زوجية عند النبلاء في القرن التاسع عشر، وفكّرتُ فورًا في تلخيصها لقرّائنا الكرام؛ فهي فرصة لمعرفة كيف كانت الزوجة النبيلة تحلّ مشاكلها العويصة مع زوجها.
في يومٍ ما، وفي حفلٍ كبير، سمعت الدوقةُ زوجَها يتحدّث إلى صديقه الكونت حول علاقته بها. وعندما مدح الصديقُ الزوجةَ، سارع الزوج إلى القول:
«إنها مجرد صفقة: جهاز معتبر، عائلة هامة، وأملاك كبيرة… إنها مقبولة لا أكثر.»
صُدمت الزوجة عند سماعها رأيه فيها؛ هي التي عاشرته بالمعروف، وأعطته أفضلَ ما عندها: وفاءها، جمالها، تدبيرها، عاطفتها، و اهتمامها. وكانت تظنّ أنه اختارها لذاتها، لا بحثًا عن تحالفٍ مع عائلة ثرية ومرموقة.
كانت الصدمة كبيرة جدًا. انتهى الحفل و صعدت إلى جناحها. لم تنم تلك الليلة، لكنها في الصباح قابلت زوجها ببرود، و نادته بالسيد الدوق بدل اسمه كما اعتادت. و شيئًا فشيئًا بدأت تنسحب من حياته.
لم تغادر القصر، لكنها تركت تدبيره و شؤون الأملاك لمدبّرٍ كان زوجها قد عيّنه من سنين. و كانت تنسّق معه سابقًا، لكنها أوقفت التنسيق، و عادت إلى المطالعة، و هواية البيانو، و التنزه لوحدها في حدائق القصر. حتى وجبات الطعام قررت تناولها في جناحها بعيدًا عن زوجها.
هذا الأخير انتبه للأمر من اليوم الأول، و لاحظ انسحابها المتدرّج، و لم يفهم السبب. ثم وقعت مشاكل أثناء تنظيمه لمأدبة عشاء و استضافته لمسؤول كبير، و عندما سأل المدبّر كان يجيبه:
«لم أتلقَّ أي تعليمات من السيدة الدوقة… تركت لي ترتيب كل شيء.»
و بدأ الدوق يستجيب وحده للدعوات، فلا يأخذ معه زوجته. و بدأت تسري الشائعات حول احتمال انفصال الزوجين. إلا أن الزوجة بقيت على موقفها: لا رجعة إلى الخلف.
في المقابل، شعر الدوق بفداحة غيابها ؛ فقد شيئًا ثمينًا لم يعبأ به أصلًا، إستفاق علي حقائق غابت عنه، زوجته من أنقذته من أزمة مالية بشكل غير مباشر لتحفظ له كرامته، زوجته من أسكتت ألسنة فضحت سلوك قريبه الغير اللائق، زوجته من كانت تدبر كل ما يهمه في صمت لا تبحث علي شكر و لا مدح و لا عرفان.. و بات القصر في حالة تردّد و شكوك. كان كل شيء يسير على أحسن ما يرام أيام الدوقة، و اليوم حتى الخدم صاروا ينظرون إلى الدوق بغضبٍ متخفٍّ.
لم يعرف ماذا عليه فعله. حاول أن يفهم منها حقيقة الموقف، لكنها كانت ترد عليه بالصمت.
أصبح يتردد على جناحها في الفجر، حين تكون تعزف على البيانو وحدها، وكان يستمع للحنٍ حزين جدًا لشوبان. عاش مرارةً لأسابيع وشهور، وأصبح يفكر في كيفية استعادة زوجته.
و في مأدبة عشاء لدبلوماسيين أجانب، نظّمها، رجَا زوجته الحضور لإسكات الشائعات. قبلت، و قابلت بابتسامة باردة الضيوف، و ترأست مع زوجها المأدبة. و في لحظةٍ ما، لم يدرِ كيف يجيب الدوق عن سؤال مسؤول روسي رفيع، فأحاله على زوجته.
اندَهشت الدوقة من فعله، لكنها كانت سريعة البديهة و ذكية جدًا، فقدمّت إجابة محكمة و ممتازة للضيف الروسي.
بعدها أخبرته بأنها ترغب في الابتعاد عن القصر لتقيم بضعة أيام عند صديقة طفولتها، غير بعيد عن أملاكه. سكت، و لم يعارض. و تذكر ما قالته له في إحدى محاولاته:
«في اليوم الذي ستختارني لنفسي، سأعود إليك.»
عند مغادرة الدوقة جلس يفكر وحده، و اتخذ بعض القرارات الهامة: غيّر سلوكه مع الخدم، و أشرف بنفسه على مالية أملاكه، و طلب العفو و السماح من خادم كان وبّخه بشكل مهين. و أظهر اهتمامًا بشؤون القرويين الذين يعيشون على أراضيه.
ثم عاد إلى بدايات زواجه، فتذكر أحاديثه مع زوجته و الكتب التي كانت تنصحه بقراءتها. و بينما كان يقرأ أحد تلك الكتب، عادت الدوقة، و لاحظت التغيير الكبير الذي طرأ على شخصه، فمنحته مجددًا ثقتها به. و شيئًا فشيئًا استطاع أن يختارها لذاتها، لا لمالها و لا لحسبها.
هذه القصة تثبت ذكاء زوجةٍ أحسنت توظيف الصمت و الانسحاب لتعالج علاقةً زوجية كانت على وشك الانهيار التام.