
“اليوم، لا وقت للأم للجلوس و الاستماع إلى أبنائها واحدًا واحدًا، و جزء كبير من النهار لا تعيشه معهم، و لا نراها تبذل جهدًا لمعالجة الأمر.”
هذه ملاحظة إحدى الأخصائيات في الصحة النفسية، و الحال ينطبق بحدّة مؤلمة على مجتمعنا. فقلّما نجد أمًّا تجلس إلى الأبناء و تُصغي إليهم باهتمام ؛ فمجرد الجلوس مع طفلها له أهمية كبرى و انعكاس إيجابي جدًا على نفسيته.
الأم المسلمة حاليًا لها أولويات أخرى غير تخريج جيل مسؤول متوازن و حيوي. فهي إما تركض خلف القوت، و إما لها طموح مهني عالٍ، و إما تمضي وقتها في الثرثرة الفارغة في السوق أو مع الجيران؛ فأولياء عصرنا لا علاقة لهم من بعيد أو قريب برسالة التربية الإسلامية. و هناك أيضا عوامل خارجية ضاغطة ك:
– ضغط اقتصادي حقيقي
– تغيّر نمط الأسرة
– غياب الأب (بدنيًا أو نفسيًا)
– انهيار دور المحيط (الجدّة/العمّة/الحي)
– مدارس تستهلك الطفل بدل أن تهذّبه
نحن لم نفهم بعد قيمة وجود الأم و الأب في حياة أبنائهم ؛ فالعناية المادية جزء صغير من انشغال أكبر بكثير. فإن يكون الإنسان أبًا أو أمًّا فهذا دور ليس بالهيّن على الإطلاق. و الطفل، و هو في سنّ النمو و التكوين النفسي، في حاجة ماسّة إلى وجود الأم في حياته. من حقه أن يشعر باهتمامها، و ليس فقط بعاطفتها.
فدور الأم محوري، و سيظل يرافق الابن أو الابنة حتى بعد الزواج. و قدرة الأم على المتابعة لا تُقارن بقدرة الأب؛ فإشراف الأب غالبًا من بعيد، بينما الأم قريبة جدًا. و لهذا نلاحظ أن جلّ زيجات اليوم لم تعد تُهيّئ المرأة لمهام الزوجية و الأمومة، خاصة أن الزواج يتأخر و الإنجاب يكون في سن متقدمة، و استعدادات الأم تكون أقل بكثير مما كانت عليه لو تزوجت مبكرًا.
حتى إن الأم لا تلعب مع أبنائها لفارق السن الكبير، و لانشغالاتها الكثيرة، فكيف ستجلس إليهم؟
عندما أنظر إلى الأطفال في الشارع و ألتقي بهم عند خروجهم من المدارس، أنتبه دوما إلى صراخهم و نظراتهم و حديثهم: كائنات صغيرة بلا ضوابط، تعكس ملامحها و حركاتها هول الفراغ الذي يعيشونه بعيدًا عن اهتمام الأم. فأيّ مستقبل ينتظرهم؟