إسلاميات

ثبات الحقائق و القيم في الثقافة الإسلامية: أصول راسخة في عالم متغير

الأستاذ محمد عطية

تعتبر القيم في الثقافة الإسلامية هي الميزان الدقيق الذي يضبط حركة الإنسان بين الثابت و المتغير في هذا الكون، في حياتنا و حياة الكون من حولنا. فبينما يميل البعض إلى الثبات المطلق بحثاً عن الأمان، منطلقين من مبدأ: “لقد جربنا ما نحن فيه فعرفنا خيره و شره”، يندفع آخرون نحو المغامرة لكل جديد ؛ لذا تأتي الثقافة الإسلامية لتضع حداً فاصلاً يجمع بين رسوخ القيم و مرونة التطوير.

تقف الثقافة الإسلامية بحقائقها و قيمها و مٌثٌلها ثابتة مع مرور الزمان و تغير المكان متخذة من الأساليب القديمة و الجديدة ما لا يصادم نصاً و لا يعارض مصلحة حقيقية ؛ و حديثنا إنما هو عن الثابت في هذه الثقافة الأصيلة و ثمرة التمسك به.

أولاً: أهم الحقائق الثابتة في الإسلام
على رأس الحقائق الثابتة التي تشكل وعي المسلم ما يلي:

1. توحيد الألوهية و العبودية لله
ما يتعلق بالألوهية و وحدانية الله تعالى فلا يصح تبعاً للتفكير العقلي أن يكون الإله ثلاثة أو أكثر لا بالأمس و لا اليوم و لا غداً، و من الثوابت انفراده سبحانه و تعالى بالكمال المطلق و تنزهه جل جلاله عن كل نقص و كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.

و من الثوابت خضوع العباد جميعاً بداية من الأنبياء و الصديقين و الأولياء و الصالحين و من دونهم لهذه العبودية و التزامهم بالوقوف عند حدها و تشرفهم بهذه النسبة، فكم مرة يعلن النبي ﷺ عن عبوديته لله تعالى في مواضع الانتصار حيث يغري النصر صاحبه بالعلو و الاستكبار، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَ هُوَ عَلَى دَرَجِ الْكَعْبَةِ، فَحَمِدَ اللهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ ‌وَ نَصَرَ ‌عَبْدَهُ وَ هَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ”» [1].

و قُرب العباد من ربهم حسب عبوديتهم له سبحانه و تعالى و تحقيق ما أمرهم به، و لا يمكن لأي منهم أن يزعم أنه غير مطالب بما يطالب به الناس من طاعة الله تعالى و البحث عما يرضيه سبحانه.

2. أركان الإيمان الثابتة
ما يتعلق بأركان الإيمان التي جاءت في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلَائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] و قوله ﷺ: «أَنْ ‌تُؤْمِنَ ‌بِاللهِ، ‌وَ مَلَائِكَتِهِ، وَ كِتَابِهِ، وَ لِقَائِهِ، وَ رُسُلِهِ، وَ تُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ،» [2] فلا يمكن أن تزيد هذه الأركان أو تنقص.

3. تكريم الإنسان و وحدة أصله
ما يتعلق بالإنسان من حيث انتسابه لآدم عليه السلام و تساوي جميع البشر في هذه النسبة «كُلُّكُمْ ‌لآدَمَ وَ حَوَّاءَ» [3]، و من الثوابت كون الإنسان مُكرماً و مصدر التكريم النصوص الشرعية و ليس منحة من أحد يمكن أن يسلبها اليوم أو غداً، و إنما ينتقص هذا التكريم على قدر بعده عن الأخلاق الحميدة و ارتكابه للنقائص.

و من الثابت في الثقافة الإسلامية أن عمل الإنسان في كل زمان عبادة الله و عمارة الكون بكل ما يمكن عمارته به ؛ من كلمة طيبة، و غرس الزرع، و عمل الصالحات، و تزكية البشر، و الحفاظ على البيئة و مواردها، إلى آخر ما تحتاجه الحياة على الأرض.

4. عدالة الجزاء الدنيوي و الأخروي
ثبات ما يتعلق بالجزاء على ما يقوم به الإنسان من خير و شر، و أن هذا الجزاء دنيوي و أخروي مادي و روحي، و قد قطع الإسلام الطريق على كل من يتوهم أن في الجزاء محاباة لأحد مهما كان و مهما كانت هذه المحاباة قليلة، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَ لَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَ لَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لَا نَصِيرًا (123) وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 123-124].

ثانياً: الثمرات المترتبة على ثبات القيم الإسلامية
ضبط حركة الحياة: يوفر ثبات القيم و المفاهيم ضبطاً لحركة الإنسان و وضوحاً في التعامل و هذا يعطي أماناً للبشر في تعاملاتهم من بيع و شراء و زواج و شراكة؛ فلن يكون الكذب أو الخداع يوماً حلالاً و الخديعة في النار و الله تعالى ﴿لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]. و قد التزم رسوله ﷺ بالوفاء في أحلك اللحظات، عن حُذَيْفَة بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: «مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا، إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَ أَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَ  مِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ لَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: انْصَرِفَا، ‌نَفِي ‌لَهُمْ ‌بِعَهْدِهِمْ وَ نَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ.» [4]. و هذا الأمان يوفر حرية الحركة و العمل و الإنتاج و التنمية.
ضبط الفكر: لا تسمح الثقافة الإسلامية باتباع الهوى بل تجعل منه جريمة حذر منها القرآن ﴿وَ لَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26].
العدل المطلق: لا دخل للحب أو الكره في إحقاق الحق و الإعطاء و المنع: «عَن ابن بريدة ؛ أن الذي قتل زيد بْن الخطاب: سلمة بْن صبيح أخو أبي مريم، و كان خالد أوفد عشرة إِلَى أبي بكر ؛ فيهم أَبُو مريم، فحسن إسلامه بعد ذلك، و يُقَالُ: أن عُمَر قَالَ لَهُ: أقتلت زيداً؟ لا أحبك حتى ‌تحب ‌الأرض ‌الدم؛ قال: أو يمنعني ذاك حقي عندك؟ ؛ قَالَ: لا ؛ قَالَ: فلا ضير إذاً.» [5] ﴿وَ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2].
الوضوح المعرفي: معرفة القيم الثابتة يوفر للمسلم رؤية دقيقة للمشهد تتيح له حركة محسوبة تجنبه كثيراً من المزالق، و تمنع الكثير من الخسائر في الأرواح و الممتلكات، كما يمنح الوضوح الإنسان مساحة أكبر في الحركة و الثقة في القرار الذي يتخذه.
البناء على منجزات الحضارة: يوفر ثبات القيم البناء على ما أنجزته الأمة في الماضي و إضافة أمجاد في الحاضر و المستقبل بينما يتسبب تغير القيم في تشويه ما تم إنجازه.
المساواة في الجزاء: فالكبير و الصغير و الرئيس و المرؤوس سواسية أمام منظومة القيم و العدالة، قال ﷺ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ. وَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَ إِنِّي، وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ ‌مُحَمَّدٍ ‌سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» [6].
تحصين الفرد ضد الدعوات الهدامة : يعمل ثبات القيم و المداومة على ذلك على مقاومة الزلازل الفكرية و وقف الاحتلال الذي يبدأ باحتلال العقل و القلب ثم السلوك ثم الوطن.
ثالثاً: أضرار التطور المطلق و التحرر من القيود القيمية
إن الانفلات من الثوابت يؤدي إلى نتائج كارثية، منها:

يجعل الإنسان يؤمن بالشيء ثم يؤمن بنقيضه و يعمل الشيء ثم يعمل عكسه.
يؤدي إلى زوال منظومة القيم العليا فما كان واجباً بالأمس أصبح حراماً اليوم.
رابعاً: الثبات ليس قيداً بل هو توجيه و إبداع
إن الثبات في القيم ليس قيداً على فكر الإنسان و حركته بل هو توجيه له إلى حيث تثمر طاقاته نفعاً له و للبشر و للكون، فينظر إلى التراث نظرة إجلال و فحص لأنه جزء من شخصية أمته و مجتمعه ينتفع بما فيه و يبني على التراث المعرفي الذي تراكم عبر القرون.

و ختاماً: إن الحركة في الكون و الإنسان و شخصيته و حياته الاجتماعية أمر لا يمكن إنكاره، و هي علامة على الحياة سواء كانت صعوداً أو هبوطاً، كما أنها متناسقة مع حركة الكون كله، لكنك ستجد من يحاول تغيير القيم و الشمس و القمر و النجوم لأن الدنيا تتحرك و تتغير و سيصل هؤلاء – إن استمروا في طريقهم – إلى الانسلاخ من إنسانيتهم.

الرابط : https://islamonline.net/%d8%ab%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى