
دشَّنت عهدةُ الرئيس ترامب الثانية عصرَ ما بعد العولمة، حيث تكون الكلمةُ للأقوياء و لا مكانَ للضعفاء*. و قد شاهدنا كيف استغلّ العدوّ الصهيوني و البيتُ الأبيض عمليةَ “طوفان الأقصى” لإعادة رسم خارطة قلب العالم العربي الإسلامي، بما يضمن مصالحهما على حساب مصالح الشعوب المسلمة. فمراكز القرار الأمريكية (مثل RAND و CSIS) تتحدث صراحة عن “إعادة هندسة الشرق الأوسط”.
و كان الأحرى بالدول المسلمة المعنية مباشرة بإعادة إحكام هيمنة بني صهيون و الإدارة الأمريكية على المنطقة أن تعيد النظر في تحالفاتها المريبة مع البيت الأبيض و بني صهيون، غير أن ما رأيناه كان استسلامًا لمنطق العدو. فدول الخليج الفارسي، عوض أن تؤمّن أمنها فيما بينها عبر التعاون مع إيران و العراق، لا تزال تعتبر المظلّة الأمريكية الحاميَ الوحيدَ لعروشها، و تثق به ثقةً كبيرة.
و في زمنٍ عادت فيه الحربُ لتُستعمل وسيلةً لحلّ النزاعات عبر كوكبة من تكنولوجيات القتل و التجسّس، نشهد يوميًا مزيدًا من التقهقر، و مزيدًا من التخلف، و مزيدًا من الفوضى، و مزيدًا من التشتت و الانقسام. إذ لا يهمّ كلَّ طرفٍ سوى مصير حكمه، و لا تتضمن أجندته همومَ النهضة و لا التصدّي لحالة الخضوع التام لغطرسة القوى العظمى.
في البيت الأبيض و الكرملين يتحركون وفق استراتيجيات واضحة المعالم لكيفية إبقاء ريادتهم، و بأي وسيلة كانت، حتى و إن أدّت إلى إغراق العالم في سلسلة من الحروب الكبرى و الجانبية.
نحن نعيش لحظةً فاصلة في تاريخ الإنسانية، و على من يتطلعون إلى مجيء منقذ أن يفهموا ما يلي: إن لم نتكتل خلف هدف واحد، أي مواجهة مصادرة حقنا في تقرير مصيرنا و النهوض حضاريًا، بنبذ كل ما من شأنه أن يأخذنا إلى الهاوية، فإن عقارب الساعة لا تدور إلى الخلف.
فالتكتلُ وحده لا يسمح لأحد بابتلاعنا، أمّا التشرذمُ فهو بداية النهاية لكل واحدٍ منا.
* استراتيجية الأمن القومي الأمريكية (2017 و 2022) التي أعلنت صراحة نهاية “العولمة التعاونية” و بداية “التنافس بين القوى العظمى”. و تقارير صندوق النقد الدولي و منظمة التجارة العالمية التي تشير منذ 2019 إلى تفكك سلاسل العولمة و صعود التكتلات الجيوسياسية.