
كنت أستمع لحديث صديقة مقيمة في إيطاليا: “في منطقة توسكانا توجد بيوت تشبه المزارع ذات نوافذ ضيقة، و هذا لمقاومة الحرارة…” في البداية لم أفهم مغزى كلامها، لكنها سرعان ما استرسلت في الشرح : في القرون الماضية كانوا يبنون البيوت و القصور و المزارع وفق حاجاتهم و طبيعة الأجواء، فلكل فصل و لكل موسم خصائصه. و عندما تجولتُ في أحد تلك البيوت شعرت بأن من تعاقبوا على العيش هناك كانوا أذكياء في حسن استغلال الفضاء الداخلي و الخارجي.
و عندما سألتُ المرشد السياحي: “في الصيف يعيشون خارج البيت، في الحديقة و الحقول، و في الشتاء يلجؤون إلى الداخل، أليس كذلك؟” أجاب: “نعم سيدتي، فسكان المنطقة أعلم الناس بطقسها، و كانوا يتفاعلون إيجابيًا معه، و مع الحيوانات البرية، و مواسم الغرس و الحصاد. في ذلك الزمن كانت الأرض معطاءً دون المواد الكيميائية السامة التي نغذيها بها اليوم.”
سكتت الصديقة برهةً ثم قالت: “بينما نحن في الجزائر لا نعرف العيش في الحديقة. الشرفات في إيطاليا مكان للراحة و تناول فطور الصباح، و كلٌّ منشغل بشؤونه الخاصة، و هذا شخصيًا لم أره في بلدنا.”
لم أشأ التعقيب. فالأوضاع في الجزائر مختلفة؛ نحن مجتمع مسلم، و العادات تقضي بالتستر و احترام حرمة الحياة العائلية، و إن كنت أشكك أحيانًا في تحقق ذلك فعليًا، فالبنايات المتلاصقة لا تحمي السكان من التلصص و التجسس. ثم إن الجزائري في العموم يقيم في بنايات شاهقة، و لا يملك فيلا بحديقة، فالفيلا في الجزائر كثيرًا ما تتحول إلى عمارة من أربعة طوابق لا مكان فيها للحدائق. أما الطبيعة الهندسية الأصيلة للسكن عبر القرون فما زلنا نجد نماذجها في غرداية و مدن الجنوب الجزائري، بينما يغرق الشمال في وحل الإسمنت و الآجر العاري.