عدوان إسرائيل و أميركا على إيران .. قراءة في صمود طهران سياسيا و استراتيجيا
إعداد المركز الفلسطيني للإعلام

مع استمرار التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة و إسرائيل من جهة، و إيران من جهة أخرى، تتكاثر القراءات التي تحاول تفكيك أبعاد المواجهة سياسياً و استراتيجياً، بعيداً عن الضجيج الإعلامي و المواقف الانفعالية.
و في هذا السياق، قدّم الأكاديمي المصري المقيم في واشنطن، خليل العناني، تقييماً أولياً للعدوان و المواجهة العسكرية بعد أيامها الأولى حصل عليه المركز الفلسطيني للإعلام، خلص فيه إلى أن واشنطن و حلفاءها خسروا الجولة الافتتاحية، ليس فقط ميدانياً، بل على مستوى السردية و إدارة المعركة سياسياً.
ارتباك أمريكي و غياب الرؤية
يرى العناني أن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب دخلت الحرب في ظل تخبط سياسي واستراتيجي واضح، مع غياب تصور متكامل لليوم التالي للضربة الأولى.
وعدّ أن القرار بدا أقرب إلى “التنفيذ أولاً ثم التفكير لاحقاً”، وهو ما انعكس في تضارب التصريحات الرسمية وتبدل الأهداف المعلنة.
وأضاف أن هذا الارتباك أضعف القدرة على حشد دعم داخلي مستدام، وأفقد الإدارة عنصر المبادرة السياسية، رغم التفوق العسكري.
وهم “النموذج الفنزويلي”
وأشار إلى أن واشنطن وقعت في فخ تكرار ما وصفه بـ“النموذج الفنزويلي”، في إشارة إلى الرهان السابق على إسقاط نظام مادورو عبر ضغوط مركزة واستهداف النخبة الحاكمة.
وأوضح أن الإدارة الأمريكية افترضت أن توجيه ضربة خاطفة لرأس الهرم القيادي في طهران سيؤدي إلى انهيار سريع للنظام، يتبعه حراك داخلي يُفضي إلى سلطة موالية. غير أن الواقع – بحسب العناني – أثبت أن هذا الرهان كان مبالغاً فيه، وأن بنية الدولة الإيرانية أكثر تماسكاً مما قُدّر لها في دوائر القرار الأمريكي.
هزيمة السردية و تضارب الأهداف
و بيّن العناني أن أخطر ما واجهته واشنطن لم يكن الرد الإيراني بحد ذاته، بل انهيار السردية المبررة للحرب. فتارةً طُرحت الحرب باعتبارها مسعى لتغيير النظام، و تارةً لضرب البرنامج النووي، ثم لضبط الصواريخ الباليستية أو كبح الأذرع الإقليمية.
و أضاف أن هذا التذبذب أضعف القدرة على إقناع الرأي العام الأمريكي بجدوى المواجهة، مؤكداً أن أي حرب – حتى لو كانت محدودة – تحتاج إلى رواية سياسية متماسكة تبرر تكلفتها البشرية والاقتصادية.
انكشاف البعد الإسرائيلي
ولفت إلى أن غياب السردية الموحدة سمح بترسخ انطباع داخل قطاعات من الرأي العام الأمريكي بأن الحرب تخدم المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى.
واعتبر أن هذا الإدراك مرشح لتوسيع فجوة الثقة بين الإدارة وقاعدتها المحافظة، خاصة مع تصاعد النقاش الإعلامي الداخلي حول دوافع الانخراط في الصراع.
تماسك الدولة الإيرانية
وفي المقابل، قال العناني إن إيران أظهرت قدراً عالياً من التماسك المؤسسي والسياسي، نافياً الصورة التي رُسمت لها باعتبارها “دولة هشة”.
وأكد أن طهران بدت مستعدة لسيناريو المواجهة، بل وكأنها كانت تتوقعه، ما مكّنها – وفق تقديره – من ضبط إيقاع الرد ومنع انزلاقه إلى فوضى داخلية.
وأضاف أن الرهان على الانهيار السريع اصطدم بواقع دولة تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية وسياسية مترابطة، قادرة على امتصاص الصدمة الأولى.
الخليج بين الهشاشة والمخاطر
وتوقف العناني عند انعكاسات الحرب على دول الخليج، مشيراً إلى أن الأحداث كشفت هشاشة المظلة الأمنية التقليدية القائمة على الاعتماد شبه الكامل على الحماية الأمريكية.
وأشار إلى أن القواعد العسكرية الأجنبية قد تتحول، في لحظات التصعيد، إلى أهداف مباشرة، ما يضع الدول المستضيفة أمام معادلات أمنية معقدة.
وأضاف أن إطالة أمد الحرب من شأنه أن يضاعف المخاطر الاقتصادية والنفسية على المنطقة، ويفتح الباب أمام سيناريوهات تدويل أوسع، قد تستدرج قوى كبرى مثل روسيا والصين إلى مستويات انخراط أعلى.
انسداد خيارات الإنهاء
ورأى أن خيارات إنهاء الحرب تبدو محدودة ومكلفة. فالخيار البري – إن طُرح – يعني استنزافاً طويلاً لا تتحمله ميزانيات الولايات المتحدة أو حلفائها، فيما يشكل الخيار النووي كارثة وجودية تتجاوز حدود الصراع ذاته.
واعتبر أن المخرج الأقل كلفة يتمثل في كبح جماح التصعيد عبر مؤسسات القرار الأمريكية، والعودة إلى مسار تفاوضي قد يفضي، في نهاية المطاف، إلى تفاهمات تميل كفتها لمصلحة طهران أكثر من غيرها.
وختم العناني تقييمه بالقول إن واشنطن وحلفاءها خسروا الجولة الأولى، ليس فقط في الميدان، بل في معركة السردية والحرب النفسية. فالمواجهة – برأيه – لم تعد مجرد تبادل ضربات، بل اختبار لقدرة كل طرف على إدارة الصراع سياسياً واستراتيجياً، وهي ساحة لا تقل حسماً عن ساحة النار.