
دعاة السلام و التعايش اليوم في مأزق. فما الفائدة المرجوّة من التعايش مع خصمٍ قد ينقضّ عليك فجأة من دون سابق إنذار ؟ إنّ الذين طبعوا مع العدوّ الصهيوني أدخلوا إلى بلدانهم ما يشبه حصان طروادة، أي عنصرًا قد يتحول في لحظة إلى أداة اختراقٍ داخلي.
و أذكّر هنا بنقطة لافتة وردت في كتابات المؤرخ إيلان بابيه، حيث يذكر أنّه خلال عشرينيات و ثلاثينيات القرن الماضي، و مع تصاعد الهجرة اليهودية إلى فلسطين إبّان الانتداب البريطاني على فلسطين، عملت بعض التنظيمات الصهيونية على جمع معلومات دقيقة عن القرى و المجتمع الفلسطيني: أسماء العائلات، البنية الاجتماعية، المواقع الجغرافية للبيوت و الطرق، الأثاث الداخلي لبيت المختار مثلا و تفاصيل الحياة اليومية. و قد استُخدمت هذه المعلومات لاحقًا في سياق الصراع الذي انتهى بإحتلال فلسطين سنة 1948 و ما رافقه من تهجير واسع للفلسطينيين، و هو ما يسميه بابيه في أبحاثه التطهير العرقي في فلسطين.
و من يطبّع مع العدو الصهيوني لا يستطيع التراجع، فهو قد ورّط نفسه بشكل نهائي لا رجعة فيه، و كما شهد بذلك أحد دبلوماسيي السلطة الفلسطينية العميلة: “سحب الاعتراف بـ إسرائيل معناه موتنا”.
في المقابل، يتحدث كثيرون اليوم عن الأيام المعدودة للدولة الإيرانية، لكنهم يتناسون أنّ المنطقة تشهد في الوقت نفسه اهتزازًا في بنية النظام الإقليمي العربي الذي نشأ بعد مرحلة الاستقلال الصوري، و هو نظامٌ كثيرًا ما اعتمد الإستقواء بالخارج العدو لضمان بقائه. و ما نراه يوميًا هو انشغال جيش الولايات المتحدة بالدفاع عن بنو صهيون و تركه للحليف الاستراتيجي الخليجي المزعوم يواجه وحده تداعيات العدوان.
و من لا يزال من الأبواق يهاجم إيران متهمًا إياها بالعدوان على دول خليجية مسالمة لن ينطلي كذبه على أحرار العالم. فالبادئ أظلم، و من حالف الإدارة الأمريكية و بنو صهيون عليه تحمّل مسؤولية تورطه إلى جانبهما.