
أهم أبعاد شهر رمضان المبارك البعد النفسي، فحالة القلق التي تطبع سلوكاتنا تخفّ و أحيانًا تزول لنقابل ظروف الحياة بمعنويات عالية بعيدًا عن التشنّج و الانفعال المجاني. و قد أثبتت دراسة منشورة في مجلة Journal of Religion and Health (2018) أظهرت أن الصيام في رمضان يرتبط بتحسن مؤشرات الصحة النفسية و انخفاض مستويات التوتر لدى كثير من المشاركين. هذا و الجانب النفسي للصيام واضح في قول النبي ﷺ:
«الصيام جُنّة» (رواه البخاري و مسلم).
و من المفروض حسن استغلال فسحة رمضان لإعادة النظر في عادات استهلاكية، و مزاج متقلب، و قيم مادية أثقلت كاهلنا أكثر مما أفادتنا.
نحن من التراب و إلى التراب، بسم الله الرحمن الرحيم :﴿منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى﴾ (سورة طه: 55).و هذه القناعة البسيطة تزيح عنا رؤية متلهفة لشهوات الدنيا، و تقلّل من تهالكنا على متاعها، ثم تبين لنا الغرض من وجودنا؛ فنحن مسخّرون لعبادة الواحد الأحد، و هذه العبادة تعتبر السبب الأول و الأخير في فلاحنا أو خسارتنا.
في هذا الشهر العظيم لدينا وقفات بعيدًا عن صخب الحياة و وتيرتها المتسارعة في عالم متدافع إلى أقصى درجة، و هذه الوقفات بمثابة فسحة زمن تعيدنا إلى الجوهر: إلى أين نحن متجهون؟ و كيف تكون عبادتنا ؟
و المراجعة الذاتية تتيح لصاحبها الوقوف على مواضع الزلل و الخطأ و المعصية و تداركها. ألم يقل الخليفة سيدنا عمر رضوان الله عليه : «حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، و زِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم».
فلماذا لا نحسن استغلال هذه الوقفات و لا نتبع نهج التصحيح دون مجاملة النفس؟
فعقارب الساعة لا تعود إلى الخلف، و عودة رمضان كل عام تذكير لنا بقصر رحلة الحياة، و سعة رحمة الرب تعالى، و إمكانية التوبة و التوكل على الله في كل شيء، و المضي قدمًا في درب العبادة المتبصّرة.