إسلامياتيهمكم

وَ مَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُهَا مُصْلِحُونَ

بقلم الأستاذة أمال السائحي ح.

 

قول الله عزّ و جل في محكم تنزيله و ما كان ربك ليُهلك القرى بظُلم و أهلُها مُصلحون، يقول ابن كثير في تفسير هاته الآية الكريمة: (أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا و هي ظالمة  لنفسها و لم يأت قرية مصلحة بأسه و عذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين، كما قال تعالى : {و ما ظلمناهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون}[ البقرة/57 ]، و قال { و ما ربك بظلام للعبيد} [فصلت : 46].

إن مفهوم الإنسان الصالح هو المتمسك بصلاته و صومه و زكاته، اجتهادا منه لإصلاح نفسه، و لجمها بكل ما أوتي من قوة مما يعتريها من منكرات، و يحاول أن يسمو بها إلى جميل الطباع، و أما مفهوم الإنسان الصالح المُصلح فهو الذي يصلح نفسه و الذي يكون تعصُّبه للحق أيًّا كان، و للدليل أين وُجد، مُنصفًا من نفسه، شاهدًا بالحق و لو على نفسه، قائمًا بالقسط عاملًا به، لنفسه و لغيره يحاول الإصلاح بقدر المستطاع في مجالات حياته أينما حل و أينما ارتحل.

قال الإمام الغزالي رحمه الله بعدما وضّح واجب المسلم تجاه نفسه بتهذيبها، شرع في بيان معنى الإصلاح فقال:( ثم يعلم ذلك أي الذي قام بتهذيب نفسه و صلاحه ثم أهل بيته و يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه ثم إلى أهل محلته ثم إلى أهل بلده ثم إلى أهل السواد المكثف، ثم إلى أهل البوادي من الأكراد و العرب و غيرهم)، و بتوافر عنصري الصلاح في النفس و الإصلاح للنفس يتحقق للإنسان اكتمال فضيلة أخلاقية قرآنية ذات شقين، يكمل أحدهما الأخرى و هي الصلاح و الإصلاح.
تأملوا الآية الكريمة:{وَ أَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} لم يقل جل شأنه: “و أهلها صالحون” فالمصلح شيء و الصالح المُصلح شيء آخر، فلا يفيد كثرة الصالحين بدون إصلاح..!
إن الكثير من التساؤلات اليوم التي تطرح على مستوى شبكات التواصل، أو نطرحها نحن بيننا و بين أنفسنا حينما نرى ظاهرة المساجد الممتلئة و خاصة في صلاة الجمعة، و رحلات المعتمرين إلى بيت الله الحرام، و الجمعيات الخيرية التي تقدم الدروس و المواعظ و الإرشاد للعامة، و دور تحفيظ القرآن، و غيرها من أعمال الخير أن تكون تساؤلات من عمق الواقع الذي يعيشه كجزء لا يتجزأ من يومه المعيشي، و على سبيل المثال لا الحصر، لماذا مثلا هذا الوباء الخطير أصبح يحاصرنا اليوم؟ إن ذلك لم يحدث صدفة و اعتباطا، و إنما استدعته أسباب، و استجلبته دواع، لقد حدث ذلك لأن ذاك المدير لم يعط الأجير حقه؟ لأن ذاك الابن أخذ والدته لدار العجزة إرضاء لزوجته؟ و لأن القطيعة الصماء تفشت بين الإخوة و أبناء العمومة؟ و لأن التبذير في الخبز بلغ حد الاستهتار بنعمة الله هذه، حتى بات يرمى في المزابل بكميات كبيرة بدون أدنى مبالاة، و كل هذه السلبية لا يستطيع الإنسان أن يفسرها، لأنها تصدر ممن يعرف عاقبة  التبذير، و يعرف قيمة الصدق، و يعرف قيمة الصلاة، هناك خلل في التربية، و تقصير في اكتساب الأخلاق الحميدة، على الرغم من قراءة القرآن ؟ و أداء الصلوات و التردد على المساجد، ليس هناك مردود ملموس في الأخلاق، و لا ذلك التأثير الإيجابي على المجتمع ككل، و ما كان ذلك ليحدث لو لم تتعطل الجهود الإصلاحية الضامنة لغلبة الخيرية و سيادتها في المجتمع، فالإنسان الصالح المُصلح لا يعيش لنفسه فحسب، بل يعيش ليضيف كل ما هو إنساني على وجه هذه المعمورة،  بداية من الكلمة الطيبة إلى عدم التبذير، إلى حسن الأخلاق مع الجار و هكذا، حتى يصبح للإنسانية معناها و إيجابياتها و تكتسب رونقها الجذاب، و ألقها الذي يفرض علينا أن ننحني لها إجلالا في أي عصر أو مصر صادفناها فيه، نعم إن الإصلاح ضمان البقاء و الاستمرار، و هو شرط ضروري للتطور و الازدهار، و هو السلاح لمقاومة عوامل الفناء و الاندثار، و لذلك يجب أن ندعو إليه و نحض عليه و نسعى إليه…

الرابط : https://elbassair.dz/8106/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى