أعظم سلاح لإسرائيل كان الخوف — و هو الآن يفشل
بقلم الأستاذ رمزي بارود ترجمة إلي العربية الذكاء الإصطناعي

تكشف حرب إسرائيل على إيران عن أزمة أعمق: انهيار عقيدة نفسية قامت على الخوف و صورة التفوق الذي لا يُقهر.
أصول الحرب النفسية الإسرائيلية
نادرًا ما تُخاض الحروب في ساحات القتال فقط. فهي تُخاض أيضًا في عقول المجتمعات، و في تصورات القوة و الضعف، و في الخيال السياسي لمناطق بأكملها. و قد أدركت إسرائيل هذا المبدأ مبكرًا في تاريخها، فأصبحت الهيمنة النفسية عنصرًا أساسيًا في عقيدتها العسكرية.
منذ السنوات الأولى للمشروع الصهيوني، طُرحت فكرة أن القوة يجب أن تبدو طاغية بصورة ساحقة. ففي عام 1923 كتب الزعيم الصهيوني التصحيحي زئيف جابوتنسكي في مقالته الشهيرة «الجدار الحديدي» أن الصهيونية لن تنجح إلا عندما يقتنع السكان الأصليون بأن المقاومة ميؤوس منها. فحين يدرك الفلسطينيون أنهم لا يستطيعون هزيمة المشروع الصهيوني، عندها فقط — حسب رأيه — سيقبلون بديمومته.
و قد عكست الأحداث المرتبطة بالنكبة عامي 1947–1948 هذا المنطق. فقد طُرد أو أُجبر على الفرار ما بين 800 ألف و900 ألف فلسطيني من بيوتهم، بينما دُمّرت أو أُفرغت مئات القرى من سكانها. و قد حدثت عمليات الطرد عبر مزيج من الهجوم العسكري المباشر، و التهجير القسري، و انهيار المجتمع الفلسطيني تحت ضغط الحرب.
و قد لعبت المجازر دورًا مهمًا في نشر الخوف. فمجزرة مجزرة دير ياسين في أبريل 1948، التي قُتل فيها أكثر من مئة مدني على يد ميليشيات صهيونية، انتشر خبرها سريعًا في أنحاء فلسطين. لكن دير ياسين لم تكن سوى واحدة من بين مجازر عديدة وقعت في تلك الفترة. فقد ساهمت عمليات القتل في أماكن مثل اللد و طنطورة و صفصاف و العديد من القرى الأخرى في خلق مناخ من الرعب سرّع من تفريغ المجتمعات الفلسطينية من سكانها.
كان الأثر النفسي لهذه الأحداث هائلًا. فقد انتقلت أخبار المجازر من قرية إلى أخرى، مما أقنع كثيرًا من الفلسطينيين بأن البقاء في منازلهم يعني المخاطرة بالإبادة. و كان الدرس واضحًا: الحرب يمكن أن تكون ليس فقط أداة للسيطرة العسكرية، بل وسيلة للهيمنة النفسية.
عقيدة الخوف
مع مرور الوقت تطور هذا النهج إلى ثقافة استراتيجية أوسع تؤكد الردع من خلال العنف الساحق. فقد صُممت حروب إسرائيل ليس فقط لهزيمة الأعداء عسكريًا، بل لتعزيز تصور مفاده أن مقاومة إسرائيل ستنتهي دائمًا بعواقب مدمرة.
و قد عبّر قادة إسرائيليون كثيرًا عن هذه الفلسفة بصورة صريحة. ففي السنوات الأولى للدولة أعلن القائد العسكري الإسرائيلي البارز موشيه دايان أن الإسرائيليين يجب أن يكونوا مستعدين للعيش بالسيف. و قد عكس هذا التصريح الاعتقاد بأن بقاء إسرائيل يعتمد على الاستعداد الدائم لاستخدام القوة و على الحفاظ على سمعة عسكرية لا ترحم.
و بعد عقود استمر القادة الإسرائيليون في صياغة هوية دولتهم بمفاهيم مشابهة. ففي منتصف العقد الأول من الألفية وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك إسرائيل بأنها «فيلا في الغابة»، و هو تعبير يعكس رؤية ترى إسرائيل كجزيرة محصنة من الحضارة وسط محيط معادٍ.
و قد عزز هذا التصور فكرة أن على إسرائيل دائمًا إظهار قوة طاغية، لأن أي علامة ضعف — وفق هذا المنطق — قد تشجع الهجوم عليها.
و قد أخذت هذه العقيدة شكلًا أكثر وضوحًا في القرن الحادي و العشرين. ففي حرب لبنان عام 2006 صاغ استراتيجيون إسرائيليون ما عُرف لاحقًا باسم «عقيدة الضاحية»، نسبة إلى الضاحية الجنوبية في بيروت التي تعرضت لقصف كثيف خلال الحرب.
و تدعو هذه العقيدة إلى استخدام قوة هائلة و غير متناسبة ضد البنية التحتية المدنية المرتبطة بحركات المقاومة. و لم يكن الهدف تدمير الأهداف العسكرية فقط، بل إحداث دمار واسع لدرجة تدفع المجتمعات بأكملها إلى الامتناع عن دعم حركات المقاومة.
و قد وجّهت فلسفة مشابهة الحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة. فقد بدأ الاستراتيجيون الإسرائيليون يصفون هذه العمليات الدورية بعبارة «جزّ العشب». و تشير العبارة إلى أن المقاومة الفلسطينية لا يمكن القضاء عليها نهائيًا، لكنها يمكن إضعافها دوريًا عبر عمليات عسكرية قصيرة و مكثفة تهدف إلى إعادة ترسيخ الردع الإسرائيلي.
و لعقود بدت هذه الاستراتيجية ناجحة. فقد عزز التفوق العسكري الإسرائيلي، إلى جانب الدعم الأمريكي الثابت، صورة القدرة التي لا تُقهر التي أثرت في الحسابات السياسية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
لكن الهيمنة النفسية تعتمد على الإيمان بها — و الإيمان يمكن أن يتآكل.
غزة و أزمة الردع
أول شرخ كبير في هالة التفوق الإسرائيلي حدث في مايو 2000 عندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان بعد سنوات من الاحتلال و المقاومة المستمرة من قبل حزب الله. و قد فُسّر هذا الانسحاب في أنحاء العالم العربي على أنه أول مرة تُجبر فيها إسرائيل على التراجع تحت ضغط عسكري.
حاولت إسرائيل استعادة هيمنتها في حرب لبنان عام 2006، لكن نتائج الحرب شككت مرة أخرى في صورة التفوق العسكري الحاسم. فبرغم القصف الواسع و العمليات البرية بقي حزب الله قائمًا و استمر في إطلاق الصواريخ حتى الأيام الأخيرة من الحرب.
غير أن الضربة الأعمق للعقيدة النفسية الإسرائيلية جاءت بعد عقود، مع الأحداث المرتبطة بيوم 7 أكتوبر و الحرب التي أعقبته.
كان رد إسرائيل على أحداث 7 أكتوبر الحرب المدمرة على غزة. فقد قُتل أو جُرح مئات الآلاف من الفلسطينيين، و تعرض معظم القطاع للدمار.
و كان حجم العنف غير مسبوق حتى مقارنة بالحروب الإسرائيلية السابقة على غزة. لكن الهدف لم يكن مجرد رد عسكري أو عقاب جماعي، بل كان أيضًا محاولة استعادة التوازن النفسي الذي اعتقدت إسرائيل أنه قد تحطم.
و قد عبّر قادة إسرائيليون عن هذا المنطق من قبل. ففي الحرب على غزة عام 2008–2009 صرحت وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك تسيبي ليفني بأن إسرائيل عندما تتعرض للهجوم «ترد بعنف شديد — و هذا أمر جيد».
بعبارة أخرى، كانت الحرب نفسها نوعًا من المسرح النفسي. لكن الحرب على غزة أنتجت نتيجة مختلفة تمامًا.
بداية انهيار الأسطورة
الحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالعمليات العسكرية، بل أيضًا عبر الصور التي تنتشر فورًا في أنحاء العالم. و خلال الحرب على غزة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو كثيرة تُظهر مركبات مدرعة إسرائيلية — بما في ذلك دبابات ميركافا التي طالما اعتُبرت مخيفة — و هي تُصاب بأسلحة فلسطينية مضادة للدروع بسيطة نسبيًا.
و لأجيال طويلة ارتبطت القوة العسكرية الإسرائيلية بصورة التفوق التكنولوجي الذي لا يُقهر. لكن ملايين المشاهدين بدأوا يرون صورة مختلفة تمامًا: جيشًا قويًا يواجه مقاومة تعمل تحت ظروف حصار.
و قد أدت الحرب على إيران إلى تعميق هذا التحول النفسي.
فلسنوات طويلة اعتقد المجتمع الإسرائيلي — و معه جزء كبير من المنطقة — أن أراضي إسرائيل محمية بدرع دفاعي شبه محكم. و لذلك فإن رؤية موجات من الصواريخ الإيرانية تصيب أهدافًا داخل إسرائيل حملت دلالات رمزية كبيرة.
هذه الصور تتحدى واحدة من أكثر الافتراضات رسوخًا في السياسة الشرق أوسطية: أن إسرائيل قوة عسكرية لا يمكن المساس بها.
و في الوقت نفسه تستفيد أطراف أخرى من هذا التحول في التصور. فما زال حزب الله يحتفظ بقدرات عسكرية مهمة رغم الهجمات الإسرائيلية المتكررة. و تبقى فصائل المقاومة الفلسطينية نشطة رغم الدمار الذي لحق بغزة. و في المقابل عطلت حركة أنصار الله في اليمن طرق الشحن في مضيق باب المندب، مما يبين كيف يمكن حتى لفاعلين غير دولتيين إعادة تشكيل الواقع الاستراتيجي.
و في المقابل أصبح القادة الإسرائيليون أنفسهم يصفون المواجهة الحالية بأنها وجودية. فقد كرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرارًا أن الحرب هي صراع من أجل بقاء إسرائيل.
لكن الأزمة الأعمق قد لا تكون عسكرية فقط. فما تزال إسرائيل واحدة من أكثر الدول تسليحًا في العالم، غير أن هالة التفوق الذي لا يُقهر التي كانت تضخم هذه القوة بدأت تتلاشى.
فعندما يبدأ الخوف في التلاشي يصبح من الصعب للغاية استعادته.
و قد يكون هذا هو أهم أثر للحرب على إيران : ليس الدمار الذي تخلّفه، بل انهيار العقيدة النفسية التي دعمت القوة الإسرائيلية لعقود طويلة.