سياسةيهمكم

صراع الولاءات و الوطنيات: التناقض بين الفلسطينيين و السوريين

بقلم الدكتور محمد حامد الأحمري

شهدنا كلّنا موجة النقد الشديدة الموجهة لحركة حماس حين استجارت من الرمضاء بالنار، و ذهبت إلى بشار الأسد و أعادت العلاقة به وبنظامه، رغم أنه قتل و دمر سكان مخيم اليرموك، بحجة أن فلسطينيي سوريا كانوا متفقين مع الثوار السوريين ضد ما هو مشهور من إرهاب بشار و مجازره. و قال قومٌ إن هناك شواهد على أن ذهاب حماس و الجهاد، الفصيلين الفلسطينيين، و غيرهم إلى جزار دمشق كان بإرغام إيراني، و لم يكن صادرًا عن مصلحة و لا رغبة ذاتية ؛ ذلك لأن سياسة إيران القومية جدًّا، الوطنية جدًّا، و التي تنفذها تحت شعارات أممية إسلامية لا تؤمن بها، تبرر تفريقها بين عمل جيشها و عصاباتها و البراميل القاتلة للسوريين، و بين ما توفره من دعم عسكري و مالي للمقاومة الفلسطينية. و قد تقدم أحيانًا دعمًا أمنيًّا لقيادات فلسطينية في إيران و لبنان، كل ذلك بحسب استراتيجيتها و مندرج تحت ترتيب مصالحها و خلافاتها الدولية.

أما الناقدون السوريون فقد شعروا أن إخوانهم المناضلين الفلسطينيين قد غدروا بهم علنًا، و ذهبوا إلى عدوهم في مشروع مصالحة و لقاءات ودية، فيما يفهم منه بأن موقف الفلسطينيين انحياز لحاكم دمشق ضد الشعب السوري، خاصة أن كثيرًا من دول العالم تقف مع الشعب السوري حقيقة أو تظاهرًا في مأساته التي لا مثيل لها في العصر الحديث إلا المحارق النازية. أما بقية حكومات العالم فلا ترى أهمية لسوريا و لا لشعبها و لا تختلف من أجلها مع بشار و لا إيران، و قد تتقي وراء شعارات حقوق الإنسان.

كل من الطرفين خطابه منسجم من داخله إلى حد كبير، و مختلف مع غريمه في الخارج، و كل من الطرفين أعلن و جلّى موقفه و ظروفه ؛ إذ يحتج الفلسطينيون بأننا لم ننتقدكم رغم ذهابكم إلى الأمريكان و تحالفكم معهم، و أنتم تعلمون أن أمريكا تعادي الفلسطينيين نصرة للإرهاب الصهيوني ضد أبرياء فلسطين، و سلاحها موجه لصدورهم العارية، بل قد تجاهل السوريون في اندفاعهم إلى أمريكا فلسطين و العراق و أفغانستان و ما ألحقته أمريكا بالمسلمين في كل مكان، حين وضعت من الإسلام هدفًا لها و أخفت عداوتها للإسلام و الإسلاميين تحت شعار محاربة الإرهاب، حتى أصبح مصطلح الإرهاب عندهم يعني مطاردة المسلمين و اتهامهم بكل مصيبة تحل بهم، و كأنهم يقولون إنكم تقبلون بواقع الخطاب الأمريكي المتناقض و لا تقبلون منا قبول خطاب إيران المتناقض.

هذه مقدمة، و إن طالت للضرورة، بين يدي فكرة المقال، و فكرته أن كلَّ طرفٍ محقٌّ في نقده للآخر، و لكن لماذا هذا التنافر رغم أن خطاب الطرفين ينطلق من مرجعية إسلامية، بل ربما بعض من الطرفين يشتركون في أساس جماعي واحد و هو الإخوان المسلمون، فهل المشكلة في تصوراتهم للمبادئ الإسلامية، أم تنافر حاجاتهم السياسية ؟

هناك حقيقة يحب الطرفان تجاهلها و تغييبها عن النقاش، و هي أنهما يعانيان من مشكلات راسخة في العمل و التفكير، سواء شاءوا الحديث عنها أم أغفلوها لظروفهم السياسية المعروفة و المقدرة، و منها:

أولًا: مشكلة واقعية، و هي عدم استقلال أي من الحركتين سياسيًّا، فحماس قرارها السياسي الخارجي و موقفها و تمويلها، كل ذلك مرهون بمزاج دولة أخرى (إيران) و رغبتها و استراتيجيتها، و زعم الاستقلال عن الضغوط الإيرانية مجرد شعارات لا قيمة لها و لا شاهد لا من الواقع و لا من خطاب الطرف الداعم، و لا نناقش الآن لماذا تدعم إيران الفلسطينيين، فهي لا تفعل شيئًا لوجه الحق رغم ما تنثره على الآذان من مبادئ.

ثانيًا: لم يلاحظ كثير من الإسلاميين أن الخطاب الإسلامي الأممي قد سقط منذ زمن من قلوب و ممارسة الإسلاميين أنفسهم، تمامًا كما سقط من واقع القوميين و اليسار من قبلهم. و رغم تشبث القوميين و اليساريين بالألفاظ القومية و القطرية، و لكن ممارساتهم في واقع الأمر قد أسقطت فكرة العروبة و الأمة العربية، و قضوا في الواقع بأنفسهم على شعاراتهم، فهم يفكرون كوطنيين لبلد محدد، من خلاله يعملون و ينفذون و لا يبالون بغيره. و إذا كانت الحكومات بوحي خارجي ملزم رفعت شعارات بلدكم “أولًا”، كمصر أولًا أو الأردن أولًا أو سورية أولًا، فإن القلوب و العقول قد حسمت لصالح هذا الموقف قديمًا. فحزب البعث حين أدار نظامه تحت نظام “القومي و القطري” كان يستسلم لنظام و واقع الإدارة الاستعمارية بوعي أو بدونه، و حل دين الوطنية محل الدين الأممي، فدين الوطنية هو دين السياسة في العالم الإسلامي الذي دخل فيه منذ قرن و استسلم له إلى اليوم، و لا يعرف كيف يخرج من دين الوطنية إلى دين الأمة، هذا لو كان قد فكر في ذلك. و كلا الحركتين، حركة التحرر السورية “الثورة” و حركات المقاومة الفلسطينية، أنموذجان لواقع هذا الدين أو الواقع الجديد المتحكم واقعًا و المنكر لفظًا في الوقت نفسه، كلاهما تؤمنان في واقع حالهما بدين الوطنية الذي فرضه الاستعمار منذ نحو قرن من الزمان، و هذا الدين يسري في المجموعتين سريان الدماء في الأجساد، و لم يعد في الواقع مستغربًا و إن كان في الألفاظ مكروهًا.

ثالثًا: بسبب من الهيمنة الغربية و الشرقية على المنطقة و تفكيرها، فإن من السهل انتقاد طرف دولي أجنبي و متخلف إعلاميًّا مقارنة بطرف آخر، فانتقاد روسيا و إيران أسهل من انتقاد أمريكا و حزبها في المنطقة، و أذكر أن أحد الصحفيين العراقيين ضج من اهتمام العرب بغزة أكثر من الاهتمام بالعراق، مقارنًا ما هي غزة مقارنة بالعراق؟ و لم ينتبه لسهولة نقد الصهاينة عربيًّا و صعوبة انتقاد أمريكا و عواقب ذلك، لأن المنطقة العربية تحت الهيمنة الغربية المباشرة، و نقد الغرب فيها يزعج الناقد مهما تكن الجريمة، بعكس إيران و روسيا، إذ إن نقدهما سهل على المقيمين في مناطق النفوذ الغربية أو بلاد الناتو، و ينسى الناقدون الثقافة السياسية القاهرة لأي شخص من قبل توجهات البلد الذي يقيم فيه.

رابعًا: هناك الدور الوظيفي لأي دولة أو جماعة، من الصعب أن يتخلص منها أحد في زمن النظام العالمي القائم، و إذا كنت قد تخيلت كغيري أن حماس، خاصة غزة، تستطيع أن تكون كيانًا مستقلًا فإن هذا يبدو بعيدًا، و من ثمّ فإن أمريكا و إسرائيل أصرتا على مشاركة حماس في  الانتخابات عام 2006، لتكون تلك المشاركة الضعيفة مبررًا لخضوع السلطة الفلسطينية التابعة للمحتل، و لكن ولسوء حظ الجميع، بمن فيهم حماس، فازت حماس بالأغلبية تحت الاحتلال، و هذا لا يعني إلا مشقة مضاعفة، و رددتُ وقتها على الآذان في جمع سياسي خطأ الانتصار، متمنيًا أنهم خسروا الانتخابات:

و للسهم الشرود أخف عبئًا   على الرامي من السهم المصيب

فليتهم لم يفوزوا ؛ لأن الفوز يعني مواجهة البؤس منفردين، و مواجهة الحصار و التمزق، ثم تنازلوا عن انتصارهم في المجلس التشريعي ؛ فالمحيط و العالم ضدهم، و حكومات العرب أشد حقدًا عليهم من الصهاينة، و ذلك كراهية لأي كيان ينوي أن يتحرر فيفضح عبوديتهم، إنه منطق: “ودت الزانية لو زنى النساء كلهن”. و قد صنع انتصارهم مزيدًا من التماسك بين الحكومات العربية الوظيفية و بين سادتهم في تل أبيب، و كله بحجة إعاقة حماس و الإسلاميين عن أي نجاح، و كذلك خوفًا من حماس أن تنافسهم فتدخل سوق العمل الوظيفي لأي الأطراف. و كان خوفنا أيضًا من أن تقوم حماس بنفس دور الحكومات، و لم يغن التخوف من حصوله واقعًا، إذ إن منصب الحكم أو بعضه في المنطقة العربية المحتلة كلها في الواقع يلزمها أن تقوم بدور وظيفي لأي جهة من جهات النزاع، و قد وقعت فيه حماس شاءت أم أبت، سواء أقر أحدهم أم حاول ألا يقر، أما لماذا يستسلمون لهذا الدور؟ فمن الجواب: لأنهم لا يملكون أرضًا و لا منافذ و لا اقتصادًا و لا سلاحًا يخصهم.

ثم إن حماس شق عليها جدًّا أن تنقسم إلى كيانين منفصلين: أحدهما يقبل شروط الإدارة المملاة على منظمة التحرير، و قسم يناضل بالممكن. و بدت الفكرة حين عرضت عليهم وقتها غريبة بعيدة، إن لم تكن مكروهة ؛ لأنها ستقسم الموحد، و قد تصنع فريقًا جديدًا يرتبط بالمكاسب التي يمنّ بها المحتل أو عماله في المنطقة، لكنها كانت فكرة للتخفيف من التناقض الذي وقعت فيه، و سوف يكبر هذا التناقض.

فإذا كانت الثورة السورية قد انتهت إلى دور وظيفي، سياسة و نضالًا، رغم العدد و المساحة و الحدود و المشروعية، فكيف لا تنتهي حماس الأكثر حاجة و ضعفًا و وضوحًا إلى دور وظيفي في صراعات منطقة ضعيفة تابعة، ليس لسكانها و حكامها إلا سلاح المناورة الضعيفة بالاستقلال و التبعية.

و للتوضيح، ليس هذا الخلاف كله كما يظهر للمستمعين من كل الجهتين، فهناك مسكوت عنه كثير عند الطرفين يحدد مواقفهما، و لو رجعتم لأيام سعيد حوى و القيادة الإخوانية السورية عام 1979 و ما بعد ذلك، و كيف انحازوا في البداية لإيران باندفاع شديد، و لما بدأت الحرب العراقية الإيرانية و تحالف بشار مع إيران ضد العراق، غيّر الإخوان موقعهم و ذهبوا لبغداد. رغم أن العدو هو البعث في البلدين. إن ضعف المعارضات و عدم استقلالها يرمي بها كل وقت في مكان، و لا معنى للكلام عن استراتيجيات ذاتية، بل الضعف يملي الإكراهات.

و كان الإخوان يرددون دائمًا عبارة: “نعمل فيما اتفقنا فيه، و يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه”، فماذا حصل لهم حتى تنافروا هذا التنافر في عمل فلسفته مشتركة و منكرة عند الطرفين؟ ذلك لأن التسامح أصبح كلامًا أو شعارًا بلا حقيقة، ثم إن الواقع و المشاهد المؤلمة التي وقعت على السوريين لم تعد تسمح بالتساهل مع المجرم خطابًا، فضلًا عن زيارته. و للحق فإن قطاعًا كبيرًا من الفلسطينيين يشاركون السوريين في الاستياء، و لكن هل هؤلاء الناقدون للفصائل التي زارت بشار ممن مستهم السياسة، أم لهم حياة بعيدة عن ظروف فلسطين المحاصرة ؟ يحسن بنا أن نعرف الواقع و ليس الأماني.

أخيرًا..

أردت كشف جانب من تحولاتنا الفكرية، التي نصمت عنها، فنقرها واقعًا و نتحاماها لفظًا و تصريحًا، و ننسى أنها تنخر في العقول و تستخدم الألسنة، و ننسى أيضًا أن الحال الصعبة تملي علينا أفكارًا لا نحب أن تظهر أننا نقبلها. و إذا كانت الحكومات الوظيفية تقبلها و قد تعلنها كما تغطي على الحقيقة المملاة عليها بغشاء نفاق ضعيف و وطنيات مدعاة، فإن الحاجة أكبر أن نعرف كيف نفكر أكثر من حاجتنا إلى تجاوز سطحي سريع، فهل كانت الثورة السورية تملك خيار اختيار من يناصرها؟ و هل كانت حماس تملك اختيار من يناصرها؟ لا يبدو أن أحد الفريقين كان يستطيع العمل في مناطق النفوذ الاستعماري دون هذه الولاءات الإكراهية المتناقضة، مهما بررها بمثاليات الاستقلال و الاختيار الحر الموجود على الألسنة، و البعيد جدًّا عن كل واقع، فإن سلاح المقاومة الفلسطينية أغلبه إيراني، كما أن سلاح الثورة السورية أغلبه أمريكي، و عليك أن تنظر إلى آثار ذلك و ليس إلى الخطابات المثالية. إن الإيمان بمشروعية الثورة السورية كالإيمان بمشروعية الثورة الفلسطينية، فهل يمكن التخفيف من اللوم المتبادل و العذر بظروف القهر عند الطرفين، و يتم الاعتراف أو الاستسلام لدين الوطنيات و العمل من خلاله، كما استسلم له كثيرون، أم يبقى مثقفونا من إسلاميين و غيرهم داخل نفاق و شعارات أممية إسلامية أو عربية، رغم سيادة دين الوطنيات في عقولهم و قلوبهم و دواخلهم، و الذي ينعكس على تفكيرهم و ممارساتهم ؟ إن كان هناك من خيار مرحلي وطني فهو كريه مهما كان ممارسًا، و إلا فما على الجميع إلا البحث عن خطاب أممي بديل، إذ الواقع هو نتيجة لأمرين: أولهما: عدم الاستقلال عند الطرفين، و ثانيهما سياسة و خطاب الوطنيات المحلية التي تنطوي على الذات، و تتساهل في النظر إلى المظالم الواقعة بالآخرين.

كتب المقال في 2022

الرابط : https://www.alahmari.org/article/3088a7b4-0e4f-42fc-b0b2-cbf916e86e37

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى