تاريخنظرات مشرقةيهمكم

بين الإستشراق و الجوسسة

بقلم عفاف عنيبة

في مرحلةٍ ما، كنتُ أقرأ كثيرًا للمستشرقين، خاصةً برنارد لويس و جون ل. إسبوزيتو. أذكر أن العصر الوسيط في أوروبا وافق أوج قوة الدولة العثمانية في الشرق، و أن بعض رجال الدين المسيحيين و الفلاسفة و المفكرين انبروا لاكتشاف الشرق من باب معرفة مواقع الضعف ؛ فلم يقدموا الإسلام بعين الإنصاف، و إنما برؤية متحاملة و مشوِّهة للحقائق.

و قد كنت أميّز بين كتاب “حضارة العرب” لـغوستاف لوبون و بين كتاب “الشرق الأوسط” لبرنارد لويس، على الرغم من الفارق الزمني بينهما. فالمستشرقون، و على خلاف المسلمين، كانت لديهم رغبة كبيرة في ترويض الجار المسلم اتقاءً لحروبه و توغّله في أراضيهم، بينما في الجهة المقابلة لم يسعَ المسلمون إلى التعرّف على جارهم الغربي المسيحي إلا بعد أن قطع أشواطًا كبيرة في النهضة، مما تسبب في تخلّفهم في ميادين الدفاع و التطور الصناعي.

فقد كان همّ الغرب المسيحي في بدايته احتواء العالم الإسلامي، ثم تطور الأمر إلى احتلاله و استغلال ثرواته، و ذلك بعد أن تسلل بعض المستشرقين إلى دار الإسلام، حتى إن بعضهم تظاهر بالصلاة في حضرة الكعبة. و لعب بعض المستشرقين دور الجواسيس بامتياز، خدمة للمشروع الإستدماري الغربي و كانت غفلة المسلمين كبيرة، إلى أن تنبّه لمكائد العدو السلطان عبد الحميد الثاني، غير أنه لم ينجح في الحفاظ على أراضي السلطنة، فبات الأمر محسومًا لصالح الغرب الذي استيقظ من سبات الجهل و التخلف.

فالغريب تعلّم لغة القرآن، و حاربنا بلغتنا بدسّ سمومه، و حرّف الكثير من الوقائع، و زرع أسباب الفرقة، لتنهار الدولة العثمانية في النهاية، و ينقسم العالم العربي إلى كيانات مجزأة غير قادرة على النهوض من جديد، لانصرافها عن أسباب المناعة الأخلاقية و الحضارية.

فالقارئ لكتب برنارد لويس سيندهش أمام دقة وصفه، و كيف أن حديثه عن تغيّر لباس المسلمين من العمامة إلى القبعة الأوروبية اعتبره إعلانًا عن تنكّرٍ للهوية و الجذور التاريخية و الدينية، و ما تبع ذلك من تراجعٍ كبير لدور المسلمين في صناعة العالم، و هم الذين لم يحسنوا تقرير مصيرهم بعيدًا عن حالة الانبهار بنهضة غربية مادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى