خواطر

المغالطون

بقلم سامح طارق

تخيّل أنّك في الدور الأخير من بناية شاهقة، ثم علمت أن هزّةً أرضيةً طفيفةً ستضرب هذا المكان، كيف هو شعورك في حال كانت الأساسات الهندسية معطوبةً، و كيف كان سيختلف لو كان العكس هو الصحيح؟!

هل جرّبت أن تقيس الأمر ذاته على الحُجج و الادعاءات؟ فما ضمانة أن ما تسمعه أو تقرأه صحيح ما لم يكن بناؤه واضح التكوين ؟ فمن هنا يدخل الشك إلى اليقين على قوائم مهترئة، أو مقدمات خاطئة، فيتزعزع إيمان المرء بادعاءات لا تقوم على أساس منطقي سليم. فمن البرهان الذي لا لبس فيه إلى حجة لا أساس لها تتكون المغالطة التي تدّعي الصواب، و ما هي إلا مغالطة منطقية لا ينتظم على قواعدها بناء.

فتخيّل أنّك تبحث في خلق الكون و خالقه، ثم تتسلسل بك الأسباب إلى حلقة لا نهائية مفرغة، لأنّك تعتقد أن “لكل موجود واجد”، و من ثم تُسقط هذه المقدمة على هذا المبحث، فتنتهي بك إلى أن خالق هذا الكون -الذي يؤلهه المؤمنون- موجود بفعل واجد. هنا أنت تتبع منطقك بالفعل و لا تخرقه، و لكنّك تتبع منطقًا منعدم الأساس؛ لأن مقدمة “لكل موجود واجد” هي مقدمة خاطئة من الأصل لكونها تقودنا إلى الدور اللانهائي، فأنت لن تنفي الوجود عن ما هو موجود بالفعل، و لأن الخالق موجود سنتوه مع هذا الاستدلال في سلسلة لا تنتهي: هذا واجد الواجد، و هذا واجد واجد الواجد… و هكذا.

تلك هي مغالطة “الاستدلال الدائري” الشهيرة، و التي تعطّل المقدمة حتى تُثبّت النتيجة، فلا نحن وضعنا مقدمةً و لا نحن حصّلنا نتيجةً، و لكن إذا أعدنا تأسيس المقدمة بأن “لكل حادث محدث” -و ليس “لكل موجود واجد”- أمكننا نفي الحدوث عن الخالق الأول، أي لا يكون مُحدَثًا بفعل غيره بل هو قديم أزلي، و بالتالي أمكن استنتاج نتيجة محددة بدلًا من الدوران المفرّغ بلا نهاية.

هذا نمط، و هناك أنماط غيره. فهل سمعت مرة عن “المصادرة على المطلوب”؟ تلك المغالطة التي تتضح من اسمها، فيضع فيها المرء النتيجة مكان المقدمة، و يصنع مقدمةً، تحتاج لمقدمة أخرى تثبتها، ليبني عليها نتيجته ! فكم مرة قابلت من يدافع عن الشذوذ الجنسي بحجة الحريات المُطلقة ثم يتهم الدين بأنّه يعادي الحرية، و من ثم ينكر إلهية مصدره أو يشكك فيه ؟ أو من يدافع عن هذا الشذوذ بحجة أنه ميل جيني لا يمكن التحكم فيه، و من ثم يكون الدين محاربًا للطبيعة البشرية ؟! ربما سمعت هذا مرارًا، لكننا إذا أمعنّا النظر سنجد المغالطة حاضرة، ففي الادعاء الأول يتبنّى المرء مقدمة “الحرية المطلقة” التي تحتاج -أصلًا- ما يثبتها ؛ لأن إطلاق الحرية يعني -بالضرورة- حرية رفض هذا الإطلاق، فأنا أيضًا حر في رفض كون الحرية مُطلقةً، فكيف ينبني شيء على مقدمة بهذا الاهتراء ؟ أمّا في المقدمة الثانية فأنت مُطالب -أولًا- بإثبات أن هذا الأمر فطرة جينية عند الفرد قبل الهجوم على ما يحرّمه، فإن لم يكن الشذوذ فطرةً فيصح للدين -منطقيًا- أن يجرّمه كأي فعل يمكن الانتهاء عنه.

على هذا المنوال، نجد العديد من المغالطات الأخرى، كمغالطة الاحتجاج بالجهل ؛ كأن يحتج الملحد على إلحاده بجهله لوجود الله، فهو لا يدركه بحواسه و لا يقطع بوجوده، و منشأ المغالطة هنا هو أن الجهل -كما أنه لا يُثبت الشيء- فهو أيضًا لا ينفيه ؛ إذ أن الجهل بالشيء لا يعني انعدامه، فالذرة التي أصبحت يقينًا فيزيائيًا و كيميائيًا لا يمكن إنكاره، ظلّت لأكثر الزمان محل جهل من العلماء، فمن أنكر وجودها -لجهله بكيفية إدراكها- لم تفلح حجته الآن و جميعنا يثبت وجودها، مما يعني أن وجود الشيء و عدمه لا يتحددان بعلمنا له أو جهلنا به، و إنما بالتحليل الواقعي له.
غير أن هذه المغالطة تنشأ كنتيجة لمغالطة أكبر تُنجب العديد من المغالطات، و هي مغالطة “الاحتجاج بالمصادر الذاتية” و التي من ضمنها الاحتجاج بالجهل، فحكم الأغلبية، السلطة، الموروث، كلها أحكام لا يصح الاعتماد عليها لكونها تمثل رأي الأغلبية أو السلطة، و إنما ينبغي للأمر الاعتماد على حجة الشيء الواقعية لا الذاتية. فحتى الأنبياء دعمهم الله بحجج واقعية و براهين موضوعية تصدق رسالتهم، بجانب سلطتهم الذاتية من أخلاق حسنة و سيرة طيبة لا تحتمل الكذب ؛ غير أن الحجة الموضوعية أساس لازم لإقامة الشيء ببرهان صحيح.

الرابط :https://rawasekh.com/2023/01/15/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8f%d8%ba%d8%a7%d9%84%d9%90%d8%b7%d9%88%d9%86/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى