تربيةقضايا اجتماعيةنظرات مشرقةيهمكم

أزمة الطفولة في العصر الرقمي

بقلم عفاف عنيبة

علماءُ النفسِ يدقّون جرسَ الخطر، مُعلنين أن الطفلَ يولدُ و يكبرُ في قطيعةٍ مع الطبيعة، و هذا خطرٌ يتهدّد التوازنَ النفسيَّ و البيئيَّ للمجتمعات على المدى المتوسط و الطويل.

تذكّرتُ طفولتي، و كيف أن تربيةَ الوالدين الكريمين كانت قائمةً في الأساس، و منذ اليوم الأول، على ربطنا بالمعين الطبيعي. وفّرا لنا حديقةً جميلةً بأزهارٍ و أشجارٍ مثمرة، و أسبوعيًّا كنا نخرج إلى الغابات و الجبال و البحر ؛ نمتطي دراجاتنا أو نمشي على أقدامنا أو نتسلّق. فالرياضةُ كانت تقوّي أبداننا، و تملأ رئتَنا بهواءٍ نظيف، و تنشّط الدورةَ الدموية، و كنا في الوقت نفسه نطرح الأسئلة حول الطيور و الحشرات و الحيوانات و النباتات و الأشجار، و نتلقّى شرحًا وافيًا.

فكانت النزهةُ أجملَ هديةٍ في أعيننا، و كنا موعودين بها بانتظام، شرطَ الاجتهاد في المدرسة، و الانضباط في البيت، و مدِّ يدِ المساعدة للوالدين الكريمين في شؤون المنزل.

و كبرنا و نحن نكنّ عظيمَ المحبة و التقدير للطبيعة، لكن زمننا غيرُ ذلك الزمان. و الأولياء، في العموم، و إن كانوا واعين بمخاطر الإنترنت و الهاتف النقال، فلا نرى منهم تحرّكًا فاعلًا في اتجاه حماية فلذات أكبادهم. فعوضَ أخذ الصغار إلى الطبيعة، يشترون لهم هواتف نقالة، و تحذيرهم من المحتويات الهدّامة لا يفي بالغرض ؛ فالطفل إن تُرك لنفسه يمضي جلَّ وقته منزويًا، لا تغادر عينيه شاشةُ الهاتف، و هذا في حدّ ذاته مضرٌّ بصحته البدنية و النفسية. فالتقليل من الحركة يُعطّل دورةَ النمو الجسمي، و يشوّش مداركه الذهنية.

الطفل في العالم العربي الإسلامي آخرُ من يُحصَّن من مضارّ الإنترنت ؛ فالطبقات الاجتماعية الهشّة، و حتى المتوسطة، لا تمارس واجباتها التربوية كما يجب، و لا تتعامل مع الثورة الرقمية بوعيٍ مدركٍ للمخاطر و بحثٍ جادٍّ عن الحلول، و الحكومات لا تُدرج حمايةَ الطفل ضمن أولوياتها، و النتيجةُ معلومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى