
أيُّ نهضةٍ ترتبط بعواملَ تربويةٍ و علمية. فعلى مدى أربعة عقود، راقبتُ عن كثبٍ أطفالَنا في الشارع، و ما حصدتُه من ملاحظاتٍ و تقييمٍ يجدر أن أُلخِّصه في هذه السطور: الطفل في الجزائر يصنعه الشارع لا الأبوان ؛ فسلطة الشارع كبيرةٌ جدًّا. أمّا العاملُ الثاني المؤثر و الفاعل في تكوينه، فهو شاشةُ الهاتف النقال، أي العالم الرقمي الافتراضي. أمّا دورُ الأب و الأم، فيكاد يكون غائبًا.
كم من مرةٍ حضرتُ خروجَ الأطفال من مدارسهم! عددُ المرات لا يُحصى، و في كل مرة أقف على السلوكات نفسها التي تتكرر يومًا بعد يوم. الطفل الجزائري كومةٌ من الصراخ، و الكلام البذيء، و العنف، و السلوك العدواني الذي لا يعير أيَّ اهتمامٍ لمحيطه من الكبار و المارّة و الجيران وأفراد عائلته. إنّه شخصيةٌ مهتزّةٌ قيد التكوين، و لكن في الاتجاه الخطأ.
تعلّم من محيطه العائلي عدمَ الانضباط، و الكذب، و السبَّ و الشتم. و عند انتقاله إلى الشارع، الذي يقضي فيه جلّ وقته بين المدرسة و الطرقات، يفرض نفسه بقوة الساعد، و الركل، و الصفع؛ يهدم كلَّ ما يلمسه، فهو عنصرُ هدمٍ لا بناء. وماذا عساه يبني، و كلُّ عالمه الضربُ و الصراخ و الكلام القبيح؟
فالمجتمع لا يلعب دور المربي المراقب، فقد تغيرت أولوياته و النتيجة :
* غياب الضبط التربوي
* ضعف المدرسة كمؤسسة تنشئة
* تأثير الإعلام الرقمي غير المراقب
طبعًا، هناك حالاتٌ استثنائية، لكنها قطراتٌ في بحر. فالحيوية المفرطة التي يعبّر عنها تتحول إلى عدوانيةٍ و رغبةٍ شديدةٍ في التدمير. و العجيب أن الطفلة قد تكون أكثرَ جرأةً و عدوانيةً من الطفل؛ فالأنثى—حتى في طفولتها—تتنكر لفطرتها لتتحول إلى سلوكٍ صداميٍّ حاد. و قد تعاملتُ كثيرًا مع هذا الصنف من الأطفال، الذين لا همَّ لهم سوى “أناهم” الصغيرة، التي تختزن كمًّا هائلًا من العنف و الحقد. فالطفل في الجزائر ينمو في وسط لم يلقنه قيم الإسلام و لم يراها مجسدة في محيطه الأسري و المدرسي، فهو مخلوق مهمل متروك للشارع الذي يحتويه و يخرج منه جيل غير مؤهل للمساهمة في نهضة بلاده و أمته الإسلامية.
لم يمرّ يومٌ واحد دون أن أسمع شجارات هؤلاء الصغار، و كيف يختلط الصراخُ بصرخات الألم و الوجع. فأيُّ جيلٍ هذا الذي لم يعرف حنانَ الأم و لا حضورها في حياته ؟ فهي إمّا غائبةٌ بمقتضى عملها الخارجي، أو ماكثةٌ في البيت لكنها تدفع به إلى الشارع لتتخلّص من إزعاجه. أيُّ جيلٍ هذا يجهل آداب الشارع، و آداب البيئة، و آداب العمران، والسلوك الأخلاقي القويم؟ و أيُّ جيلٍ سيقود أمّةً تفتقد إلى رجالٍ و قادةٍ حكماء؟