الهروب و طول النفس

أكثرُ من ألفِ جزائريٍّ معنيّون بقراراتِ الطرد من دولةِ بلجيكا، سبعمائةٌ منهم في سجونها. قرأتُ الخبر، و وقفتُ مرةً أخرى على الذهنيةِ المادية لدى كثيرٍ من الجزائريين الذين يختارون الهروب و ارتكابَ تجاوزاتٍ في الدول المضيفة بدلَ البقاء في بلدهم و بناءِ أنفسهم بالنَّفَس الطويل و الصبر و المثابرة.
ما ينقصُ جيلَ اليوم في الجزائر، و في العديد من الدول العربية، هو طولُ النَّفَس؛ فالإنسان لا يبني نفسَه بين عشيةٍ و ضحاها، بل إن التكوين يستغرقُ عقودًا من العمل الحثيث و المتقن و الاجتهاد المتواصل، و هذا ما يفتقده الهاربون، الذين يظنون خطأً أنهم سينالون كلَّ شيء في رمشة عين هناك، تاركين بلدًا منحهم الكثير و لم يلقَ منهم إلا الجحود و التنكر.
لا أفهم هذا الإصرار على البحث عن فرصٍ أفضل للعيش، و الجزائر تمنح أبناءها ما لا تمنحه الدول الأجنبية – في نظرهم –؛ فالمواطن في الغرب مثقلٌ بالضرائب، و أنماط المعيشة فيه مخالفة – في كثير من جوانبها – للعقيدة الإسلامية. و مع ذلك، فإن بعض الجزائريين لا يكترثون بجانب الالتزام الديني و ما يترتب عنه من عباداتٍ و طاعاتٍ و واجبات.
يغفل كثيرون أن هذه الدنيا دارُ ابتلاءٍ لا دارَ قرار، و أن المصاعب و العراقيل التي تواجه الإنسان في بلده ينبغي أن تُواجَه بطول نفس و عزيمة قوية، و برغبة صادقة في إفادة النفس و المحيط، لا بالهروب.
لقد ضحّى الملايين بأرواحهم إبّان ثورة التحرير ليعيش الشاب الجزائري حرًّا في وطنه، فمهما كانت التحديات، فالأولى به أن يبقى و يسهم في بناء نفسه ليكون لبنةً في صرح النهضة، لا عبئًا على دولته و أمته الإسلامية.