قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

في الإستعداد للتضحية كلمة الفصل

بقلم عفاف عنيبة

 

 

في تناولي للعدوان على إيران، ركّزت في مطالعتي على معنويات الشعب الإيراني في الداخل، و على معنويات الشعوب العربية خاصة. و قد تبيّنت لي بعض الحقائق التي من الضروري ذكرها في هذه المقالة، و هي فرصة لعقد مقارنة بين الموقفين:

-في الجانب الإيراني : بالرغم من الخلافات السياسية و الإيديولوجية العميقة، فقد اتضح أن الإيرانيين أبدوا استعدادًا للصبر، و اتخذوا عدة إجراءات، مثل التقليل من التنقل، و ترشيد استهلاك المياه و الكهرباء، و تخزين بعض المواد الغذائية التي لم تنقطع في الواقع. فقد كانت المساحات التجارية الكبرى تعرض وفرةً من المواد الغذائية و غيرها من السلع. و عند سؤالهم، يظهر تصميمهم على الصبر و الصمود. و بالنظر إلى تصريحات بعضهم، يتبيّن أنهم اعتادوا التقشف و شظف العيش، و هم مستعدون لتحمّل العبء الأكبر من العدوان، بما في ذلك الخسائر في الأرواح، بتجلّد و رباطة جأش.

هذا التماسك النفسي و المعنوي مبني على عراقة حضارية و ثبات في الهوية، بغض النظر عن تنوعهم المعرفي و الروحي. فإيران مجتمع متعدد الأعراق و المذاهب و الديانات؛ فيه البهائي و السني و اليهودي و المسيحي و الشيعي الإمامي، إضافة إلى الزرادشتي. و في لحظة فارقة من تاريخ دولتهم، وضعوا جانبًا خلافاتهم مع قيادتهم، و أثبتوا روح الانتماء إلى أمة عريقة حضاريًا، مستعدة لبذل التضحيات من أجل البقاء و الاستمرار و الازدهار. و بطبيعة الحال، لديهم مخاوفهم و يترقبون ما سيلي العدوان، لكن، أياً كانت مخرجاته، فهم ماضون في التمسك بوجودهم.

-في الجانب العربي:
في دول مثل مصر و سوريا و الأردن، يترقب الناس بقلق بالغ مجريات العدوان و انعكاساته على حياتهم اليومية. و قد ركّزوا أساسًا على غلاء الوقود و المواد الغذائية، و التضخم، و فقدان مناصب العمل. و انصبّ الاهتمام العام على هموم المعيشة، أي على “الخبز”. أما التعاطف مع الشعب الإيراني المعتدى عليه، فظلّ في الغالب تعاطفًا وجدانيًا و انفعاليًا، دون أن يُترجم إلى استعداد لتحمّل تضحيات على مستوى المعيشة دعمًا له.

و يُفهم من ذلك أن كثيرًا منهم لم يدرك بعد الطابع المفصلي لهذا العدوان، و أن صمود الشعب الإيراني لا يستند فقط إلى اعتبارات مادية، بل إلى رفض الخضوع للإملاءات الخارجية. فصمودهم تعبير عن استقلال القرار و الهوية. في المقابل، لم يظهر هذا المعنى بوضوح في مواقف كثير من الشعوب العربية، التي انحصر همّها في رفض تحمّل الكلفة الاقتصادية، دون التساؤل العميق عن أسباب الهشاشة الاقتصادية، مثل ضعف الإنتاج المعرفي و التكنولوجي، و سوء توزيع الثروة، و استمرار مظاهر التخلف الحضاري لدولهم.

أرجو أن يكون هذا العرض قد أوصل الرسالة إلى المعنيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى