بين الفيتو الإسرائيلي و صمت ملادينوف غزة تحت رحمة التعطيل الممنهج
بقلم الأستاذ محمد مصطفى شاهين

في المشهد السياسي المعقد لقطاع غزة حيث تتشابك خيوط الأزمة الإنسانية مع العدوان الإسرائيلي و جرائمه يقف المرء حائراً أمام مشهد عبثي بامتياز لجنة تكنوقراط وُلدت من رحم اتفاق دولي لكنها تُمنع من دخول مسرح عملياتها في قطاع غزة بقرار أحادي من دولة الاحتلال.
إنه فصل جديد من فصول السيادة الإسرائيلية على المعابر حيث يتحول الفيتو الأمني إلى أداة لخنق أي بارقة أمل إداري قد تنتشل القطاع من فوضاه.
تكشف المعلومات عن مأزق حقيقي يتمثل في منع الاحتلال لأعضاء اللجنة الوطنية برئاسة علي شعث من دخول القطاع في تحدٍ صارخ للتفاهمات الموقعة و تعطيل لها عن القيام بواجبها الوطني لخدمة أبناء قطاع غزة الذين تنخر حياتهم الأزمات التي أوجدها الاحتلال الإسرائيلي بانتهاكاته.
هذه الممارسة لا تعكس فقط رغبة في إبقاء غزة تحت الوصاية الأمنية الإسرائيلية بل تكشف عن استراتيجية الأرض المحروقة إدارياً حيث يتم تقويض أي بديل قد ينافس سردية الاحتلال بأنه لا شريك فلسطينياً، و لعل الأكثر إثارة للتساؤلات هو الموقف الملتبس للمبعوث نيكولاي ملادينوف المندوب السامي لمجلس السلام المكلف بمتابعة الاتفاق على الارض.
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الخروقات الإسرائيلية اليومية لاتفاق التهدئة و يسقط المدنيون من اطفال و نساء و شيوخ غزة ضحايا لطائرات الاستطلاع و المدفعية الإسرائيلية يبدو صوت المسؤول الدولي ميلادينوف خافتاً و كأنه يمارس سياسة الضبط بالمفعول الرجعي للأزمة بدلاً من الاحتواء الاستباقي.
و بينما ينادي ملادينوف بصوت عالي في أروقة المؤتمرات الدولية بأهمية التهدئة لبدء عمل اللجنة تغيب الإدانة الواضحة لمن يقوض هذه التهدئة بشكل ممنهج.
ان هذا الصمت الدولي النسبي إزاء الخروقات الميدانية الإسرائيلية و التي كان اخرها استهداف الصحفي الفلسطيني محمد وشاح الذي ينقل للعالم معاناة الانسان المطحون بين رحى الأزمات المركبة في غزة يمنح الاحتلال غطاءً ضمنياً لاستمرارها مما يجعل مهمة اللجنة التكنوقراط أشبه بجهد عقيم لإعادة الإعمار في قلب عاصفة مستمرة.
فكيف يمكن الحديث عن الانتقال المدني و استدامة الحوكمة بينما تفرض آلة الحرب الإسرائيلية إيقاعها الخاص على الأرض بمنع ما تم الاتفاق عليه بانتهاكات مستمرة باشكال و ألوان متعددة.
إن غياب الإرادة السياسية الفاعلة للجم الاحتلال يضع مستقبل أي مسار إداري جديد في غزة على المحك و يجعل من الحديث عن التهدئة مجرد نشاط دبلوماسي بلا مضمون جيوسياسي حقيقي.
في الختام إننا إذ نكتب هذه السطور لا نملك ترف الصمت و السكوت و الصبر على هذه الجرائم بقدر ما نملك واجب التذكير بأن التاريخ في هذه البقعة الملتهبة من العالم لا يرحم الصامتين و لا يغفر للمتفرجين.
لقد آن للسيد ملادينوف أن يدرك أن دوره بصفته مسيراً دولياً يتجاوز حدود إدارة الأزمة إلى جوهر إنقاذ الاتفاق نفسه من الانهيار. فالصمت على “فيتو” الاحتلال بحرمان لجنة التكنوقراط من دخول غزة ليس حياداً إيجابياً، بل هو انحياز بارد يمنح غطاءً لسياسة خنق القطاع و تجويع أهله. إن تحرك السيد ملادينوف لوقف هذه الخروقات الإسرائيلية السافرة للتفاهمات ليس تفضلاً دبلوماسياً، بل هو استحقاق أخلاقي و اختبار حقيقي لمصداقية الوسطاء أمام ضمير العدالة الدولية. فإما أن يمارس صلاحياته في لجم الاحتلال و إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مسار التهدئة، و إما أن يتحول اسمه في الذاكرة الفلسطينية إلى مجرد شاهد على زمنٍ صار فيه التعطيل الممنهج للخبز و الدواء أداةً في قتل غزة و سكانها الابرياء.