
لقد أخذ تهديد الرئيس بإبادة الحضارة الإيرانية الولايات المتحدة إلى مكان مظلم. صباح الثلاثاء، لجأ الرئيس دونالد ترامب إلى منصة “تروث سوشيال” ليعلن أن «حضارةً ستموت الليلة». وبحلول الساعة الثامنة مساءً، أعلنت الولايات المتحدة بدء وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مع إيران. وما إذا كان هذا الوقف سيصمد (أو حتى سيدخل حيّز التنفيذ فعلاً) فهو موضع شك بالفعل — إذ يبدو أن إيران والولايات المتحدة تقدّمان روايات متناقضة بشأن ما تنصّ عليه فعليًا الخطة ذات النقاط العشر التي يُزعم أنهما اتفقتا عليها. ويأتي أفضل أمل في أن يصمد هذا الاتفاق من إسرائيل، حيث وجد مقدّمو البرامج التلفزيونية الذين أمضوا يوم الاثنين في التلذّذ بمشاهدة ساعة تعدّ تنازليًا الدقائق والساعات حتى الإبادة الجماعية التي كان ترامب يخطط لها ضد الإيرانيين، أنفسهم في حالة من الارتباك والغضب عندما تراجع الرئيس قبل وقت قصير من الموعد المحدد.
لكن سواء مضى ترامب في النهاية إلى الحد الذي يريده الإسرائيليون أم لا، فإن على الأمريكيين الآن أن يواجهوا الدمار الذي نُفّذ بالفعل باسمهم، والأفعال المدمّرة للحضارات التي هدّد بها ترامب، والبرابرة الذين أصبحنا عليهم في خضمّ ذلك.
وكما أشار تاكر كارلسون، أبرز منتقدي الحرب على إيران، في خطابه الذي انتشر على نطاق واسع يوم الاثنين، لم يكن في تهديد ترامب بتدمير حضارة بأكملها شيء يُذكر يمكن اعتباره أمريكيًا أو غربيًا. وهذا لا يعني أن الحكومة الأمريكية لم ترتكب من قبل جرائم جسيمة، بما في ذلك حروب عدوانية. فقد وجدت دراسة نُشرت في مجلة “ذا لانست” العلمية أن العقوبات الأمريكية والأوروبية تسببت في مقتل 38 مليون شخص منذ عام 1971. لكن تلك الأفعال المشينة كانت على الأقل تُخفى خلف ذرائع، ولم يُعلن عنها صراحة كهدف بحد ذاته. ورغم أن هذا قد يبدو تمييزًا بلا فرق، فإن كارلسون يجادل بشكل مقنع بأن له أهمية كبيرة. فمن خلال التخلي حتى عن الطموح إلى قوانين أسمى، نكون قد اعتنقنا «قانون الغاب»، وهو «قانون قاسٍ لا يرحم» لن يتوقف عند حدود إيران. وقال كارلسون: «نعرف من التاريخ أن ما تفعله سيُفعل بك». وأضاف: «بمجرد أن تضع معيارًا، سيكون عليك أن تعيش وفقًا لذلك المعيار».
وبالفعل، فإن تهديد ترامب بتدمير الحضارة الإيرانية لم يكن تعبيرًا عن القيم الأمريكية، بل كان التعبير الأكثر صفاءً والنقطة المنطقية النهائية لأيديولوجيا التصقت بها الولايات المتحدة في ظل كلٍّ من جو بايدن وترامب: الصهيونية ومشروع “إسرائيل الكبرى”، أولًا من خلال دعم الولايات المتحدة لما يُوصف بالإبادة الجماعية في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية، ومؤخرًا من خلال الحرب العدوانية المشتركة ضد إيران.
وفي الوقت الذي يُقال فيه لدافعي الضرائب الأمريكيين الذين يُجبرون على تمويل تلك الحروب إنها تُخاض باسمهم لإنقاذ «الحضارة»، أصبح من المستحيل الآن تصور قوة في التاريخ الحديث أكثر تدميرًا وتهديدًا للحضارة من مشروع “إسرائيل الكبرى” — الذي يشن حملة على نمط تنظيم “داعش” لتدمير كل أثر، وكل مركز معرفة، وكل مصدر جمال في المنطقة، ويفعل ذلك بأسلحة أمريكية، وجنود أمريكيين، وأموال أمريكية. ويقدّم سجلّ ما تم تدميره بالفعل دليلًا على أن الولايات المتحدة وإسرائيل ترغبان في أن تفعلا بإيران ما فعله تنظيم “داعش” وداعموه المتعددون بسوريا. ووفقًا لوزير التراث الثقافي الإيراني، فقد ألحقت الضربات الأمريكية والإسرائيلية أضرارًا بأكثر من 131 موقعًا تاريخيًا في أنحاء البلاد، بما في ذلك متاحف وقصور ومعالم مدرجة على قائمة اليونسكو، مع أكبر الخسائر في طهران. ومن بين المنشآت العريقة التي دُمّرت بالقنابل الأمريكية–الإسرائيلية قصر كلستان، وهو موقع تراث عالمي لليونسكو؛ وجناح “جهل ستون” في أصفهان، وهو معلم من القرن السابع عشر يعود إلى الحقبة الصفوية؛ ومسجد الشيخ لطف الله، أحد الجواهر المعمارية في العالم الإسلامي؛ وحديقة فين في كاشان، وهي من أقدم الحدائق الباقية في إيران وتعود إلى أواخر القرن السادس عشر. كما تعرّضت عشرات الجامعات ومراكز الأبحاث للقصف، بما في ذلك جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة أصفهان للتكنولوجيا، وجامعة شريف للتكنولوجيا، التي تُعرف بـ«معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الإيراني»، حيث دُمّر مركز علوم الحاسوب فيها بالكامل. كما أصيبت كنيس يهودي في طهران خلال عيد الفصح.
إن انحدارنا إلى البربرية لم يكن وليد اللحظة، بل هو مسار طويل التشكّل، وتحمل بصماته طابعًا إسرائيليًا واضحًا. ومن أوائل مؤشرات هذا التحول أن “وزارة الحرب” بدأت تنشر لقطات ضربات الطائرات المسيّرة، وغالبًا على هيئة “ميمات”، على وسائل التواصل الاجتماعي. فبعد أن كانت الحكومة تُلاحق موقع “ويكيليكس” وتسعى إلى إخفاء لقطات حروبها بدافع الحرج، أصبح البنتاغون، بقيادة وزير الدفاع بيت هيغسيث، ينشر هذه الصور بلا خجل وبمبادرة منه، في استيراد مباشر من إسرائيل التي كانت رائدة في نموذج بثّ جرائمها الحربية أثناء الهجوم على غزة. ومؤخرًا، كان أنصار “إسرائيل أولًا” مثل لورا لومر ومارك ليفين من أعلى الأصوات التي دفعت ترامب نحو التصعيد وشجّعته بينما كان يهدد بإبادة حضارية. وقد دعت لومر، التي يُقال إن ترامب يستشيرها، إلى أن يستلهم كيرتس لوماي، الجنرال الذي ألهمت نزعة سفك الدماء المتطرفة لديه شخصية فيلم “دكتور سترينجلوف” والذي كاد يشعل حربًا نووية. أما ليفين، فقد ألمح على ما يبدو في برنامجه على قناة فوكس نيوز إلى أن إلقاء قنبلة نووية على إيران قد يكون مبررًا.
وسواء صمد وقف إطلاق النار أم لا، فإن على الأمريكيين أن يواجهوا ما تم بالفعل باسمهم، وأن يدركوا أن أنصار “إسرائيل أولًا” الذين هللوا لكل تصعيد لم يُستبعدوا من مواقع نفوذهم. فهم ما زالوا قريبين جدًا من أذن الرئيس، يحدّدون ليس فقط معالم ولايته الثانية، بل أيضًا الصورة الدولية للتدمير والبربرية التي نحن في طور التحوّل إليها.
الرابط : https://www.theamericanconservative.com/we-are-the-barbarians/