قضايا حضاريةيهمكم

الباحث لا ينمو في فراغ أبدا

بقلم الدكتور محمد الأمين مقراوي الوغليسي

هذا المقال بمناسبة الحديث العاطفي المنتشر في منطقتنا عن الدكتور الإيراني حسن أحمديان، و الصورة النمطية التي ينساق خلفها الكثيرون من باب الانبهار بالنموذج أو الشماتة في باحثينا لا غير، أقول: إن الباحث لا ينمو في فراغ أبدا، و تميز أسماء مثل حسن أحمديان أو غيره من الأكاديميين الإيرانيين ليس مجرد اجتهاد شخصي معزول –كحالنا-، بل هو ثمرة بيئة حاضنة تمنح للعقل الأكاديمي شرعية الوجود و هيبة التأثير، فهل عندكم بيئة كهذه ؟ أم لديكم بيئة سياسية و اجتماعية و جماعاتية تهمش العلم و تعادي الخبراء و تقصي العلماء من صناعة واقع الحياة العامة ؟ و إن احتفت بهم احتفت بهم فلكلوريا و في حصص إعلامية تبحث عن التعاطف و الدراما ؟
دعني أسرد عليك حقائق البيئة الاجتماعية و السياسية و الفكرية التي قدم منها د. حسن أحمديان مع مقارنتها مع واقع و بيئة النخبة الحرة و الأصيلة في منطقتنا :
1. في إيران ؛ يُنظر إلى الأكاديمي –خاصة المتخصّص في العلاقات الدولية أو الشؤون الاستراتيجية- على أنه مورد سيادي، و العجيب أن إيران على الرغم من اختلاف أجنحتها، تدرك أن صياغة النفوذ الإقليمي تتطلب عقولا قادرة على تفكيك الخصم و بناء الاستراتيجيات ؛ لذلك فحين يتحدث أحمديان فهو لا يتحدث من برج عاجي بعيد عن الواقع، بل من بيئة تتيح له الاطلاع على مراكز صنع القرار، و تسمح له بهامش من المناورة التحليلية ؛ لأن السلطة هناك تحترم العلم كأداة قوة، و لا تحول العلماء إلى أبواق فارغة باهتة.
2. يمتلك المجتمع الإيراني تقاليد المدرسة و الحوزة و الجامعة ككيانات لها قدسية معرفية ؛ و هذا يمنع المنظومة العامة من انتزاع العلم من صاحبه ؛ فالعالِم هناك لا يُختزل في مؤثر يحتاج إلى رضا الجمهور، بل هو مرجع يُستمع إليه.
بينما في عالمنا العربي، يُحارب الأكاديمي بسلاح “الشعبوية”؛ حيث يُستبدل رأي الدكتور المتخصص برأي مغرد صاخب، مما يجعل الأكاديمي العربي يشعر بالغربة داخل مجتمعه قبل أن يشعر بها أمام سلطته التي لم توفر الحصانة الاجتماعية ضد تسطيح النخب و العلماء..نتحدث -أيضا- عن بيئة تحسد باحثيها و تسعى لتحجيمهم و كبحهم و تسفيههم.
3. تأكد أنّ البيئة التي أنتجت أحمديان تؤمن بأن تعدد القراءات داخل البيت الواحد يقوي النظام و لا يضعفه، فالنقاشات التي تثار حول غزو العراق أو الاتفاق النووي ليست ترفا، بل هي مختبر أفكار مفتوح ؛ حتى أن الأكاديمي هناك يعلم أن نقد خطة حكومية معينة لن يؤدي به إلى التغييب و السجن و الاغتيال و الحرمان من الظهور الإعلامي، طالما أنه يتحرك ضمن ثوابت الدولة الكبرى. هذا الأمان النسبي هو ما يفتقده الأكاديمي العربي الذي يضطر إلى الصمت أو التسطيح خوفا من سوء الفهم أو الوشاية.
4. في البيئة الإيرانية، هناك فصل واضح بين البروباغندا التي يمارسها “الغوغاء” و بين التحليل الاستراتيجي الذي يمارسه المختص العارف و الخبير ؛ إذ لا يمكن لمؤثر على وسائل التواصل أن يوجه دفة النقاش حول ملفات مثل: “الحرب أو العقوبات أو الانتخابات”؛ لأن هذه الملفات محصورة في يد النخبة العالمة المفكرة. أما في الواقع العربي، فقد أدى تهميش العلماء إلى انقضاض التافهين على أعقد الملفات السياسية، فأصبح المشهد الفكري و السياسي ساحة للتراشق بدلا من التشريح العلمي و التدافع الثقافي.
المفيد ؛ قبل أن ننبهر بذكاء أحمديان أو قدرته على الإقناع، علينا أن ننظر إلى المقعد الذي يجلس عليه ؛ فهو مقعد محمي بإرث ثقافي يحترم التخصص، و إرادة سياسية ترى في المعرفة سلاحا، و جمهور لا يجرؤ على مساواة العالم الخبير بالمؤثر أو المهرج أو المؤدلج المخرّب.
– اعطني بيئة و مجتمعا و سلطة تحترم عقولها و خبراءها و علماءها كالتي في إيران و سأمنحك 1000 ترس معرفي و فكري و سياسي يتفوقون على أعتى الأسلحة الفتاكة.
*مأخوذ من صفحته علي الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى