
إن البلدان و الشعوب التي تزخر بكل ما هو جميل من مناخ و طبيعة خلابة، و من مساحات خضراء جذابة، و من مواد أولية مثل البترول و المعادن، و الطاقة الشمسية، تكون من أولوياتها التوق للازدهار و التفوق و الاستقرار في مجال الطب و التربية و التعليم، و الصناعة و الزراعة و الاقتصاد و الثقافة إلى غير ذلك مما تحتاجه البلاد و العباد..
لكننا و للأسف نجد أن تلك البلدان التي تتوفر لها الثروات و لديها الكثير من الإمكانيات، لم تتقدم قيد أنملة، و هي لازالت إلى اليوم ترسف في قيود التخلف و التبعية للغير، و إذا بحثنا عن السبب، وجدناه يكمن في افتقارها للقيادة الرشيدة، ذلك لأن النهضة الحضارية و التقدم و الازدهار، لا يكفي فيه توفر الأدوات المادية، و الوفرة المالية وحدها، بل هي تتولد عن عمل مجتمعي منظم تحددت مقاصده، و توضحت غاياته، و ذلك يتطلب وجود قيادة قادرة على تحديد الأهداف، و تحقيق التوافق و الائتلاف، لتتظافر الجهود على خدمة الهدف المنشود..
و الرسول -صلى الله عليه و سلم- هو القدوة الصالحة في هذا المجال، حيث استطاع أن يتحول بالمجتمع العربي من مجتمع بدوي إلى مجتمع حضري، و استطاع هذا المجتمع الجديد في أقل من خمسة عقود أن يمد سلطانه من الخليج إلى المحيط، ذلك لأن قيادة الرسول كانت ملهمة لسواه، و موجهة لهم، لذلك ما أن انتقل إلى جوار ربه الكريم، حتى استطاع صحابته القيام بالأمر من بعده، و تمكنوا من مواصلة عمله في التمكين للإسلام و توطيد أركانه، و رفع صرحه و بنيانه، فالقيادة الرشيدة هي وحدها القادرة على أن تجعل من الضعف قوة، و من القلة كثرة، و من الفقر غنى، و ذلك بما أوتيته من قدرة على التخطيط السليم، و الحشد و التنظيم، و الإصرار على المضي نحو الهدف العظيم..
و القيادة الرشيدة هي التي تدرك أن أجلها محدود، و وقتها محسوب معدود، فتحرص على أن تعد من يخلفها في القيادة، و يتولى من بعدها الريادة، فتصنع من الشباب رجالا، لا يتهيبون من جليل الأعمال، و طلب الغايات و إن كانت بعيدة المنال.. و كذلك كان الرسول صلى الله عليه و سلم، الذي اجتهد في تكوين صحابته َ رضي الله، عنهم و لم يكتف في تربيته لهم بالأمر و النهي، و بالقول و النصيحة، بل جعل من نفسه قدوة لهم، يترسمون خطاها، و يهتدون بإشعاعها و سناها.. كانت الأخلاق الحميدة و الصفات المفيدة يرونها رأي العين و لا يقرؤونها من كتاب، يرونها مجسدة في بشر منهم، فتتحرك لها نفوسهم، و تهفوا إليها مشاعرهم و تنجذب لها عقولهم، فكل منهم نهل منها بقدر ما يحتمل كيانه، و طبقها على نفسه أولا، و نهل منها من هو أمامه، بحب لا بكراهية..
صحيح أن القيادة تتطلب استعدادات وراثية، لكن تلك الاستعدادات لن تنضج و تثمر إلا إذا أحسن المحيط احتضانها، و هيأ لها أسباب النمو و الاكتمال، و هنا يتحدد دور الأسرة و التعليم، و مساهمتهما في اختيار القيم و المبادئ التي ستشكل فلسفة الحياة لأبنائنا و بناتنا، و الوالدين التي هم النواة الأولى التي تسهم في غرس تلك القيم، عبر تلك الإشارات و تلك الكلمات ،التي تعطي للطفل دروسه الأولى في الأخلاق الفاضلة، ابتداء من التوجيه السليم، و القصة الهادفة، و النزهة الإيجابية، ثم يأتي دور المعلم القدوة، الذي يتقن مهارة إيصال المعلومة الهادفة، و يعرف كيف يذلل الصعوبات التي تعترض سبيل التلميذ، بما يجعله قادرا على الفهم و الاستيعاب، مما يسهم في تطوير قدراته، و تنمية ملكاته، من غير عنت و لا إرهاق، أو شخصية هامة يحتذى بها، أشار إليها خطيب في مسجد، أو حدثه عنها معلم شفيق، أو والد حان رفيق، فيظهر الشعور بالمسؤولية الاجتماعية عند هذا الطفل، و يشاهد لديه الميل إلى مساعدة الآخرين، و عمل الخير مع ذوي الأرحام، و كل ما هو إيجابي من اهتمام و طموح، و تنمو الفكرة لتصبح مشروعا و هكذا..
و إذن فإن المناخ الفكري و النفسي الذي نحيط به الأبناء و البنات، هو الذي يؤثر سلبا أو إيجابا على ما يتوفر لديهم من استعدادات للريادة و القيادة، فهو الذي يقمع تلك الاستعدادات و يحول بينها و بين التعبير عن نفسها، أو هو الذي يعمل على تحريرها و تمكينها من النمو السليم، حتى تحقق المستوى المطلوب من النضج، الذي يجعل أصحابها إذا قادوا أفادوا..
و هذا هو عين ما نبه إليه كتاب “عالم الأفكار” للمفكر الجزائري مالك بن نبي -رحمه الله- بقوله: “لقد أرانا تاريخ ألمانيا الحديث، كيف أن بلدًا شهد الانهيار الكامل لعالم أشيائه قد استطاع باحتفاظه بعالم أفكاره أن يبني كيانه من جديد”. فالقيادة الرشيدة، يبرز دورها في قدرتها على التفكير القويم، و التخطيط السليم، و الضبط و التنظيم، و الإلهام و التعليم.. و من هنا يتضح أن افتقار بعض دولنا العربية لهذا النمط من القادة، هو الذي جعلها ترسف في التخلف، على الرغم من امتلاكها للوسائل و الأدوات، و الأموال و الثروات، حقا كم من قوم غاب رشدهم، عندما غاب مرشدهم..