
بسم الله الرحمن الرحيم،
الآية 32 من سورة المائدة:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَ لَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (32).
الخطاب الإلهي واضح وضوح الشمس، و ما نراه في واقع العديد من الشعوب المسلمة يناقض تمامًا هذه الآية المباركة. يعيب الغرب حالة الاقتتال التي لغّمت مصير اليمن و سوريا و السودان، و طبعًا يتناسى أن التناحر في الغرب كان على أشدّه قرونًا إلى الخلف، و من ينسى حرب المائة سنة؟ لكن هذا ليس موضوعنا. ما يهمنا: كيف في عصر الانحطاط تحوّل بعض المسلمين إلى كتل من الحقد و الشر، و بات البعض ينظر إلى أخيه في العقيدة عدوًّا لدودًا ؟
و أذكر، بالمناسبة، واقعة عاشتها إنسانة في الشام: في اليوم الذي رأت فيه زميلها الطالب يقتل أستاذهم، ارتدت عن الدين الإسلامي بدعوى أن الدين الذي يبيح قتل النفس ليس بالدين الصحيح. و لم تدرك حينها هذه المرأة أن بين الخطاب الإلهي و السلوك الإنساني بونًا شاسعًا، و أنه ليس كل ما يصدر عن الإنسان من صميم الدين، و لم تفهم أيضًا أن الملام هو العالم الذي أوّل النص القرآني بحسب أهدافه القصيرة و القاصرة.
فالمسلم الذي يطيع بشكل أعمى، و لا يبحث عن التفسير الصحيح الرزين للنص القرآني بعيدًا عن توظيف الدين لأغراض أنانية نفعية، مسلم تائه، و لا نبني موقفًا طبقًا لأفعاله. فقد تاه الكثيرون بسبب تأويل خاطئ ؛ فالتغيير السياسي لا يكون عبر سفك الدماء. فالجراح في اليمن و السودان و سوريا لن تندمل بجرة قلم، فالقتل يترك آثارًا لا مرئية، و قد شنّع الله عز و جل بالقاتل، و بيّن الحدَّ الذي يقام عليه حفظًا للحياة و الدين.
فما وقع و يقع تعبير عن هشاشة التكوين الروحي و الأخلاقي للإنسان المسلم، و الجهة الملامة هي المجتمع ككل: برجال دينه، و نظامه السياسي، و منهجه التعليمي، و إعلامه. فلا سبيل لرأب الصدع إلا بإعادة فهم النص القرآني و وضعه في إطاره العام، بجعل الحياة أقدس هبة إلهية، و الدفاع عنها واجب كل أحد. و نحن في حاجة ماسّة إلى إحياء الضمائر و النفوس و الأبدان معًا كي نحصل على مجتمع صحي متماسك قوي و مبدع.