
في قراءة تاريخ المشرق العربي؛ لا تبدو الأحداث مجرد تراكم للسنوات، بل هي دورات من الصراع بين ضرورات الجغرافيا و أوهام السياسة.
إن المفارقة التي تتبدى اليوم في محاولات إحياء سكة حديد الحجاز بعد قرن من تدميرها، تلخص مأساة العقل السياسي الذي ارتهن طويلا إلى الوعود الخارجية ؛ ليكتشف في نهاية المطاف أن القوى الإمبراطورية لا تقيم وزنا إلا لمصالحها الحيوية، و أن ما هدمه (لورنس العرب) تحت شعار التحرر لم يكن إلا تمهيدا لتقطيع أوصال المنطقة و تكريس تبعيتها.
لقد كانت سكة حديد الحجاز، التي دشنها السلطان عبد الحميد الثاني -رحمه الله- في مطلع القرن العشرين، تمثل أكثر من مجرد وسيلة لنقل الحجيج ؛ فقد كانت مشروعا لربط قلب الخلافة بأطرافها العربية، و محاولة أخيرة لتعزيز الاستقلال اللوجستي في وجه التغلغل الأوروبي.
لكن اللحظة العربية -آنذاك- مدفوعة بوعود بريطانية براقة رأت في تحطيم هذه السكة طريقا نحو الدولة العربية الموحدة.
و تحت إشراف ضابط الاستخبارات البريطاني توماس إدوارد لورنس تم تفجير السكة و عزل المدينة المنورة، ليجد العرب أنفسهم لاحقا أمام حقيقة (سايكس بيكو) و وعد (بلفور)، حيث نفي الشريف حسين و ضاعت أحلام الدولة الواحدة في دهاليز الانتداب.
اليوم، يبدو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه في سياقات جديدة و لكن بالأدوات الإمبراطورية ذاتها. فبالرغم من تبدل الوجوه من لندن إلى واشنطن ظل الرهان على الحليف الغربي محفوفا بالخيبات.
و ما نراه في السلوك الأمريكي المعاصر، لا سيما في حقبة ترامب و ما تلاها، ليس إلا استمرارا لسياسة توظيف القلق الإقليمي لخدمة أمن إسرائيل و ضمان تدفق النفط، دون اعتبار حقيقي للمصالح الاستراتيجية العربية.
فالحصار في مضيق هرمز و التجاذبات مع إيران لم تكن إلا فصولا في عملية تضليل كبرى، تهدف إلى إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم، تماما كما استنزفت الوعود البريطانية قوى الثورة العربية قبل قرن.
المفارقة الكبرى تكمن في العودة الاضطرارية إلى الجغرافيا. فبعد مائة عام من القطيعة و الحروب، يجد العرب أنفسهم من جديد أمام حتمية التعاون مع العمق التركي لإعادة بناء ما تم تدميره.
إن الحديث عن إحياء سكة حديد الحجاز، أو مشاريع الربط السككي التي تمتد من الخليج عبر العراق و الأردن وصولا إلى الأناضول، هو اعتراف ضمني بأن الجغرافيا لا يمكن مغالبتها للأبد. فالوحدة التي لم تتحقق بالشعارات السياسية، تفرضها اليوم ضرورة الاقتصاد و أمن الممرات التجارية.
إن هذا التحول يشير إلى نضج متأخر في الوعي السياسي الإقليمي؛ نضج يدرك أن القوة التي حرضت على الفصل في الماضي لن تكون هي ذاتها التي تعين على الوصل في الحاضر.
لقد أثبتت المئة عام الماضية أن تمزيق شبكات الاتصال بين حواضر المشرق لم يخدم سوى القوى التي أرادت إبقاء المنطقة مجرد سوق أو ساحة صراع، بينما تظل العودة إلى مشاريع الربط الكبرى هي المخرج الوحيد لاستعادة السيادة المفقودة بين عواصم القرار الدولي.
إن سكة حديد الحجاز التي يعاد التفكير فيها اليوم ليست مجرد قضبان حديدية، بل هي رمز لمحاولة تصحيح مسار التاريخ، و الخروج من عباءة لورنس التي ظلت تظلل العقل السياسي العربي لفترة أطول مما ينبغي.
إن الرهان المستمر على المظلة الخارجية ليس إلا استمرارا لتيه القرن الماضي و إعادة إنتاج لتبعية لا تورث إلا الخيبة ؛ فالجغرافيا لا تحمي من لا يحمي نفسه، و التاريخ لا يرحم الكيانات التي ترتضي دور الوظيفية في استراتيجيات الكبار.
إن صياغة مشروع وحدوي في حده الأدنى ينبثق من صلب المصالح الذاتية و السيادة الحقيقية، لم تعد ترفا فكريا بل ضرورة وجودية لكسر الأغلال التي صبها لورنس و ورثته في العقل السياسي الإقليمي.
و قد حان الوقت ليكون الوصل بين حواضر المشرق قرارا نابعا من إرادة أهله، بعيدا عن أوهام الحماية التي لا تخدم إلا تكريس التجزئة و تأمين مصالح الخصوم.
مأخوذ من صفحة الفيسبوك للدكتور الوغليسي.