سياسةقضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

ما قبل العدوان صفحة طويت و الحاضر صفحة جديدة لا بد من إستغلالها خير إستغلال

بقلم عفاف عنيبة

لا بدّ من توضيح جملة من النقاط بخصوص العدوان الصهيو-الإنجيلي على إيران، في ضوء ما أفرزته تطوراته من تحولات لافتة في موازين التقدير السياسي:

أولًا: تكشف مجريات الأحداث أن ما قبل العدوان ليس كما بعده ؛ إذ سقط الرهان على إسقاط نظام الحكم في إيران، و تبيّن أن هذا الهدف لم يكن واقعيًا في ظل المعطيات الداخلية و الإقليمية القائمة.

ثانيًا: أظهرت هذه المواجهة أن الاتفاقيات العسكرية الثنائية بين دول الخليج و الإدارة الأمريكية لم تعد خيارًا منخفض الكلفة، بل تحوّلت إلى عبء استراتيجي و مالي يستوجب مراجعة جدية في ضوء مردودها الفعلي على أمن هذه الدول.

ثالثًا: تبرز الحاجة اليوم إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي، من خلال دراسة المقترحات التي تدعو إلى بناء منظومة أمنية تنطلق من داخل المنطقة نفسها. و في هذا السياق، يمكن تصور دور داعم لتركيا، مقابل دور محوري لإيران بحكم موقعها الجغرافي و ثقلها السياسي و العسكري.

رابعًا: بغضّ النظر عن مبررات بعض الدول كالأردن أو الإمارات، فإن واقع استخدام أجوائها أو قواعدها العسكرية في سياق هذا العدوان يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الترتيبات الأمنية القائمة. كما يعزز الانطباع بأن الأولويات الأمريكية في المنطقة لا تتطابق بالضرورة مع متطلبات أمن دول الخليج، بل ترتبط بدرجة كبيرة بحماية مصالح حلفائها، و على رأسهم الكيان الصهيوني. و هو ما يفرض إعادة تقييم لهذه العلاقة من منظور المصلحة الذاتية.

خامسًا: على مستوى القضية الفلسطينية، يثير التباين بين أدوار الفاعلين الإقليميين تساؤلات حول فعالية النظام العربي الرسمي منذ اتفاقيات كامب ديفيد. ففي مقابل حضور إيراني مستمر في دعم  فصائل المقاومة، تراجع الأداء العربي الجماعي، و اتجه في حالات عديدة نحو مسارات تطبيع أو مواقف أقل فاعلية، خاصة في ظل ما تشهده غزة من إبادة جماعية.

سادسًا: تشير المؤشرات إلى أن إيران خرجت من هذه المواجهة بقدر من التماسك الداخلي، مدعومًا بخطاب الصمود و التضحية، وهو ما انعكس على صلابة موقفها التفاوضي و السياسي مقارنة بخصومها. و قد أُشير إلى هذا المعطى في تصريحات دولية، من بينها مواقف صادرة عن فلاديمير بوتين، التي نوّهت بقدرة المجتمع الإيراني على التحمّل. و يُعدّ هذا الصمود درسًا في الاستقلالية الحضارية التي تفتقر إليها كثير من الدول العربية.

في المحصلة، لا تتعلق هذه التطورات بحدث عابر، بل تعكس تحولًا أعمق في بنية التوازنات الإقليمية، بما يستدعي مراجعات فكرية و استراتيجية تتجاوز منطق الاصطفاف التقليدي نحو مقاربات أكثر استقلالًا و واقعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى