
منذ أيام وجدتُ حمامةً ميتةً في شرفتي، فقرّرتُ إزالتها في اليوم التالي. في تلك الصبيحة خرجتُ لأشتري بعض الأغراض، و عند عودتي تفاجأتُ باختفاء جثة الحمامة. نظرتُ حولي، فإذا بطائر نورسٍ يطير غير بعيدٍ على سطح بيتٍ مجاور، و تحته مباشرةً الحمامة الميتة، فسبّحتُ بعظمة الخالق. هكذا قام النورس بمهمته في تنظيف شرفتي و تغذية نفسه. و ها أن تدبير الله في تفاصيل صغيرة دليل يُستأنس به على حسن التدبير في القضايا الكبرى.
بقيتُ أفكّر في هذه الواقعة و ربطتُها بواقعنا: لماذا ثقتُنا بالله العليّ القدير عند بعض الناس مهزوزة، تشكو الشك و سوء الظن ؟ نحن نعيش لنعبد الله، فلم نُخلق لغير ذلك، و من يقرأ القرآن الكريم سيتأكد من معنى غاية في الأهمية: عبادة الله اختبارٌ حقيقيّ لإيماننا و صبرنا، و قدرتنا على التوكّل، و ذكاؤنا في رسم لأنفسنا دربًا معالمه واضحة وسط عالمٍ متدافع. فلا شيء نناله هكذا دون عناء، و المشقّة المقصودة لا تعني ظلم الإنسان، بل هي نوعٌ من تطهير النفس و الارتقاء بها إلى مرتبة سامية.
فالعبد مخيّر في أفعاله، و الجبرية ما هي إلا إقرارٌ بعجز الإنسان عن التنصّل من تبعات اختياراته، و الجزاء—خيرًا أو شرًّا—حتميّ. فالتدبير الإلهي يدفعنا إلى تأمّل قدرة الله و إعجازه، لا إلى التبرّم من مآلات أفعالنا. و نحن مُلزَمون بعبادةٍ متبصّرة تلتمس عفو الله و رحمته، و يكون ذلك بالاجتهاد قدر المستطاع لإرضائه تعالى.
و يكفينا يقينًا أن الله عادلٌ، رحيمٌ، رحمن، يتجاوز عن أخطائنا و سيئاتنا مقابل صدقنا و نيّتنا الخالصة في مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء.