
لا يمكن للإنسان أن يفهم حاضره أو يحدد موقعه في هذا العالم ما لم يكن متصلًا بهويته، واعيًا بجذوره، مدركًا لمعنى انتمائه. فالهويّة ليست مجرد شعار يستحضره الإنسان وقت الملمّات، و إنما منظومة قيم، و عقيدة، و منهج حياة، تحدد طريقته في فهم الوجود، و الانتماء الديني و الروحي و الحضاري، و تضبط البوصلة الأخلاقية و الفكرية للأفراد و الأمم.
الهوية وعيٌ حيٌّ يسكن الضمير، و يُشكّل البوصلة التي يهتدي بها الإنسان في زحمة الطرق المتشابهة. و الهوية الإسلامية، على وجه الخصوص، لم تكن يومًا عبئًا على التاريخ، و لا عائقًا أمام العمران، بل روحًا ناظمةً لحركة الإنسان، و معيارًا يزن به الحق من الباطل، و العدل من الهوى.
إن المتأمل في واقع الأمة اليوم يلحظ شرخًا عميقًا في صلتها بذاتها ؛ لم يبدأ من ميادين القتال و لا من أسواق الاقتصاد فحسب، و إنما من داخل الوعي، حيث تراجعت الثقة بالانتماء، و استُبدلت المرجعيات، و أصبح الانسلاخ عن الأصل يُقدَّم بوصفه وعيًا، بينما يُصوَّر التمسك بالهوية تخلّفًا و انغلاقًا.
و من هذا المنطلق، تأتي هذه الكلمات لا لتبكي أطلال الماضي، و لا لتجلد الحاضر، بل لتسائل هذا التيه الهادئ، و تبحث في أسبابه، و تذكّر بأن الأمة التي فقدت وعيها بذاتها لا يمكنها أن تصنع مستقبلها، مهما امتلكت من أدوات القوة الظاهرة.
أول القول
لا تغيبُ عن عيني أمجادُ أمتنا، و لا يغيبُ أجدادي عن ذاكرتي، و كيف يغيبون؟ و قد صالوا و جالوا في تلك البقاع يومًا من الأيام؛ لتكون كلمةُ الله هي العُليا، و ليكون الدينُ كلُّه لله، و ليُخرجوا الناسَ من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، و ليملؤوا الأرضَ رحمةً و عدلًا كما لم يفعل أحدٌ من قبلهم و لا من بعدهم.
أتراهم قاتلوا في سبيل الدنيا، أم في سبيل أهوائهم يومًا من الأيام، لا.. بل كان محياهم و مماتهم و نسكهم و جهادهم لله وحده، و لذلك نصرهم. استغاثوا به فاستجاب لهم، و أمدَّهم بالملائكة، و ألَّف بين قلوبهم، و بدَّلهم من بعد خوفهم أمنًا، و جعل أمتنا باقيةً إلى قيام الساعة.
لماذا بعد ذلك جاءت أجيالٌ من الأمة تضيّع هويتها و تغيب عنها قضية قرآنها ؟ يتبارزون في جعل الدنيا أكبر همِّهم و غاية قصدهم، و أكثر من ذلك خطورة أن يتبرأ أحدهم من هويته الإسلامية، و يخجل منها، و يحاول أن يفعل أيَّ شيءٍ ليدفن هويته تلك، آملاً أن ينسى الناس انتماءه، أو ينسى هو انتماء نفسه..
إن هويتنا الإسلامية لم تنتهِ، و لن ينتهي أمرها بمرور الوقت كما يرى هؤلاء، فهي الأحقُّ بالاتباع؛ لأنها الأكثر صدقًا و عدلًا، و ميزانها و منهجها لم يُوضَعا حسب الأهواء و لا البشر، و إنما تعاليم الإله و أنبيائه، و لو اتبع الحقُّ أهواءَ أحدٍ لفسدت السماواتُ و الأرضُ و من فيهن، و هذا ما رأيناه، و ما يشهد عليه التاريخ من فسادٍ و دمارٍ في الأمم السابقة؛ و ذلك لأن منهجهم كان أرضيًّا بشريًّا يتبع الأهواء، و منهجنا كان و ما زال سماويًّا ربانيًّا خاليًا من الأهواء، فاندثرت و فسدت أممهم، و بقيت أمتنا.
هل يمكن العلوّ بغير منهج الله؟
في كل الأزمنة تظهر أمةٌ من الناس تحاول أن تُثبت أنها قادرة على أن تعلو بغير منهج الله و رسوله، فيُعلي الله من شأنها، و يجعل ذلك فتنةً لأصحاب القلوب و النفوس الضعيفة؛ ليُمحِّص الله الذين آمنوا، و يمحق الكافرين.
أما الذين آمنوا، فيعلمون أن تلك الأمم مهما ارتفع شأنها، و مهما تجبّرت، فإن ذلك كلَّه يؤول إلى الدمار و الفناء إن لم يتركوا عبادة أهوائهم، و يتخلصوا من مركزيتها، فالمركزية في الوجود كله لله وحده، و هو الحكيم الخبير، و خالق الإنسان، و منزل الشرائع له ؛ لتكون له منهجًا في إعمار الأرض، فهو منهجٌ ربانيٌّ لا نقصان فيه و لا عيب.
و لأخبرك في هذا المقال عن بعض الأسباب التي تجعل بعضَ الشباب في الأجيال الحالية يتبعون تلك الأمم، و يتبرؤون من هويتهم العظيمة، و يتبعون المناهج الفاسدة لتلك الأمم الضالّة.
غياب القدوة الصالحة
يُعتبر غيابُ القدوة من أهم أسباب فساد الأجيال و ضياعها و تشتتها؛ فالطبيعة البشرية تميل دائمًا إلى اتخاذ قدوة في أمورها الدنيوية و الأخروية، و كذلك من أهم وسائل تربية الأجيال وضعُ القدوات لهم في مراحل حياتهم المختلفة.
لذلك قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]
و لكن للأسف الشديد، غفل كثيرٌ من المربين عن تلك الآية الكريمة، و غفل كذلك كثيرٌ من الشباب عنها، فأصبحوا يتخذون من هو أكثر مالًا و شهرةً قدوةً، و نسوا الخصال الكريمة في القدوات، مثل النخوة، و المروءة، و العزة، و الشرف، و الإيثار، و الكرم، و الشجاعة، و هي صفات تجلّت كلُّها في قدواتنا، ابتداءً بالنبي محمد ﷺ، ثم الصحابة، ثم التابعين، ثم الصالحين، ثم من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
ترى كثيرًا من الفتيات يتخذن ممن تخضع بالقول، و تتمايل، و تعرض نفسها كأنها سلعةٌ للجميع قدوةً، و يتركن أمهات المؤمنين و سيدات الصالحين مثل أمنا عائشة، و مريم ابنة عمران، و هاجر رضي الله عنهن جميعًا، و اللاتي كنَّ و سيظللن إلى قيام الساعة رمزًا للعفة، و الكفاح، و الصبر، و تحمل المسؤولية، و أداء الرسالة على أكمل وجه.
جهلًا بتاريخ أمتنا العظيم
تتعرض أمتنا في هذا الزمان إلى أكبر حملةٍ ممنهجة تهدف إلى تشويه تاريخها و حاضرها، و تضعيفها، ثم إسقاطها أخيرًا. و من أهم وسائل تضعيف الأمم و غزوها فكريًّا و إسقاطها: تشويه تاريخها و محوه من الأذهان؛ فالأمم لا يمكن أن تنهض بغير تاريخ.
بدراسة تاريخ أمتنا نزداد عزًّا و فخرًا بها، و تتأصل هويتنا الإسلامية فينا أكثر، و تكون صلبةً أمام الشبهات، و لا تُكسر أمام سخرية البعض و كيد أعداء الدين. و بدراسة التاريخ أيضًا نتجنب أخطاء السابقين، و نقتدي بما رأيناه سببًا في ازدهار الأمة، ففي التاريخ عبرةٌ لأولي الأبصار، و نجاةٌ لأولي الألباب، فما غضّت أمةٌ الطرفَ عن ماضيها، و أهملته، و نسيته، إلا ضيعت مستقبلها، و دمّرت حاضرها.
تعلق القلوب بالدنيا
نذكر هنا أن من أهم الأشياء التي حذّر منها النبي الكريم ﷺ طوال فترة دعوته، و في خطبة الوداع، هي تعلّق القلوب بالدنيا؛ حيث قال ﷺ: (فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، و لكنّي أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) [متفق عليه]
و كان من دعائه ﷺ: “لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، و لا مبلغ علمنا” و هذا لا يعني ترك العمل، و طلب العلم، و الرزق، و غيرها من أمور الدنيا؛ فقد حثّ الإسلام على إتقان تلك الأعمال، و هي من أسباب خلق الله للإنسان: “تعمير الأرض”. و لكن لا يجوز تقديم الدنيا على الدين؛ لأن هذا الأمر من المُهلكات.
في هذا السياق ترى أبناء المسلمين -إلا من رحم ربي- في حالة سكونٍ تامٍّ أثناء صلاة الفجر، ثم إذا جاءت ساعات الليل تبدّل حال البيت إلى النشاط؛ لأنه وقت السهر و السمر أو العمل، ثم ترى الجميع اليوم يتنافسون على الشهرة، و اقتناء أكثر الأشياء غلاءً، و غيرها من الأمور التي أصبحت أساسيةً و محوريةً بعد أن كانت فرعية، و كان ذلك مكانها الصحيح و المناسب.
و إذا حدّثت كثيرًا منهم عن أحوال الأمة و تفلتها من دينها، اكتشفت أنهم يرون ذلك من الأمور الفرعية التي ينبغي الصمت عنها أو تجنب الحديث عنها ؛ و لذلك ترى كثيرًا من أبناء الأجيال المعاصرة قد بدأوا بالانسلاخ من هويتهم الإسلامية، و اتجهوا إلى تلك الهويات و المناهج الدنيوية التي توافق الأهواء، و تضمن لهم السعادة اللحظية فقط.
ختام القول
إن أزمة الهوية التي تعيشها أمتنا اليوم ليست إلا انعكاسًا لانقطاعٍ مؤلم بين الإنسان و رساليته، و بين الأمة و منهجها الذي منحها ذات يوم القدرة على الجمع بين الإيمان و العمران، و بين العبادة و الاستخلاف، غير أن هذا الانقطاع، على قسوته، لا يُنهي الحكاية، و لا يُغلق باب العودة.
فالهوية الإسلامية، بما تحمله من عمقٍ عقدي، و عدلٍ تشريعي، و توازنٍ إنساني، ليست شيئًا قابلاً للاندثار، و إنما معنى قابل للتجدد كلما وُجد من يحمله بصدق، و يترجمه سلوكًا و وعيًا و مسؤولية، و استعادة الهوية لا تبدأ من الشعارات، و لا من الصدام مع العالم، و إنما من إعادة بناء الإنسان من الداخل، فيعرف القلب وجهته، و ليدرك العقل مرجعيته، و لتفهم النفس مآلات التحرر من عبودية الهوى، و حين تعود الأمة إلى وعيها بذاتها، تغدو شاهدةً بالحق، حاملةً للأمانة، فاتحة للحاضر آفاقًا جديدة، و مانحة المستقبل معنى يستحق أن يُعاش. فالله الله في ذلك.