سياسةقضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

التنمية الحقيقية في بناء الإنسان المنتج

بقلم عفاف عنيبة

على مدى عقود، تصدت الحكومات عبر ميزانيات ضخمة للأشغال العمومية و المشاريع الكبرى، بينما غاب القطاع الخاص إلى حدّ بعيد في بلدنا مثلًا. و لا يزال القطاع الخاص متخلفًا في العديد من المجالات، فنحن إلى يومنا هذا لم يبنِ القطاع الخاص في الجزائر جامعة واحدة، و دائمًا ما اتجهنا إلى الدولة لتوفر لنا الجامعات و المصحات و غيرها من الخدمات.

حينما تغيب المبادرة الخاصة نفتقد مقومات التطور الذاتي، فالإعتماد على الدولة في كل شيء أمر غير منطقي، خاصة مع نضوب النفط و الغاز، و حتى إن عُوِّضت جزئيًا بالطاقة النظيفة، فليس بوسع الدولة الاستمرار في هذا النهج إلى ما لا نهاية.

لقد أفسد النظام الاشتراكي الذهنيات في الجزائر إلى حد بعيد، المشكلة في كثير من الدول النامية لم تكن أيضا في التوجه الاشتراكي فقط، بل أيضًا في ضعف المؤسسات، و الفساد، و سوء التخطيط، و غياب الاستقرار الاقتصادي و القانوني، و هي عوامل أعاقت حتى المبادرات الخاصة نفسها.

ظل الجزائري في العموم ينتظر السكن و العمل والخدمات الصحية و الترفيهية من الدولة، و هي دولة لم تُحضّر نفسها لمرحلة ما بعد النفط و الغاز منذ البدايات. لذلك تبدو الاستفاقة الحالية متأخرة، كما تعترضها صعوبات جمّة، أهمها تغيير الذهنيات الاتكالية. و كم من نابغة جزائري غادر البلد غداة الاستقلال لأنه ببساطة لم يجد مكانًا لائقًا به داخل اقتصاد اشتراكي قائم على ريع الطاقة الأحفورية.

فالقطاع الخاص في الاقتصادات المتقدمة يساهم بالنسبة الأكبر من الدخل الخام أو الناتج المحلي، و غالبًا ما تتراوح مساهمته بين 70٪ و 90٪ من النشاط الاقتصادي. و في الدول المتطورة يساهم القطاع الخاص أساسًا في:

* الصناعة الثقيلة و الدقيقة،
* التكنولوجيا و البرمجيات،
* البحث العلمي،
* الصناعات الدوائية،
* الطيران و السيارات،
* الخدمات المالية المتقدمة،
* الذكاء الاصطناعي و الطاقة،
* التصدير العالمي.

أي أنه ينتج قيمة مضافة عالية، و معرفة، و تكنولوجيا، و فرص عمل مستقرة.

أما في كثير من الدول المتخلفة فإن القطاع الخاص يتركز غالبًا في:

* التجارة و الاستيراد،
* العقار و البناء،
* الخدمات البسيطة،
* الوساطة و السمسرة،
* الأنشطة الريعية،
* الصناعات التحويلية المحدودة،
* الاقتصاد غير الرسمي.

و لهذا قد نجد قطاعًا خاصًا “واسعًا” لكنه غير منتج حضاريًا بالمعنى العميق، لأنه يعتمد على:

* الاستهلاك أكثر من الإنتاج،
* الاستيراد أكثر من الابتكار،
* الربح السريع أكثر من الاستثمار طويل المدى،
* المضاربة أكثر من التصنيع.

و لهذه الأسباب المذكورة أعلاه، نحن لا نزال في بداية الطريق، و أهم ما يجب التركيز عليه هو تعليم الأجيال الاعتماد على عقولها و سواعدها، و تحقيق الاكتفاء الذاتي في الميادين الحيوية و المصيرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى