
ما نحن في أمسّ الحاجة إليه هو العقل العملي. سبق لي أن تطرقت إلى عامل الفاعلية الحضارية، و هنا يحتاج العقل العملي إلى هامش كبير من الحرية يسمح له باتخاذ الخطوات الضرورية للابتكار أو للتصدي لأي أزمة أو مشكلة.
كثيرون، أفرادًا و جماعات، نراهم يتخبطون في مشكلات قابلة للحل، لكنهم لا يوظفون العقل العملي بل العقل الانفعالي، بينما الانفعال لا يجدي في كثير من الحالات.
نحن نعيش أجواء نكبة، فلنسترجع فترة الثلاثينيات من القرن الماضي: الصهاينة أتوا من كل حدب و صوب إلى فلسطين ليؤسسوا كيانهم الغاصب، في ظل غياب وعي السكان الأصليين بخطورة القرار و الموقف، و في كل مرة كان تحركهم مجرد ردّة فعل و ليس فعلًا مستقلًا في ذاته.
و اليوم نعيش حروبًا و أزمات متداخلة أصبح فيها الإنسان كل شيء إلا صاحب إرادة حرة؛ فلا يقرر بنفسه، بل يجد نفسه على دروب الهجرة القسرية، أو ضحية إبادة جماعية، أو مجرد مفعولٍ به دون أدنى مشاركة منه في صنع مصيره.
و في بقاع أخرى من العالم توجد مساحة من الحرية تتيح للفرد أو للجماعة الاختيار و مراكمة الأفعال المسؤولة من أجل مصير مختلف. و هذه النماذج تشجعنا على استشراف مستقبل مغاير لم يخطط له الأقوياء النافذون. لكن لا بد لنا من توسيع هامش الحرية ليطال الجميع دون تمييز، و توفير أدوات تسهّل على العقل التفكير و الابتكار و الاختراع و العمل بأقصى قدراته.
و هذا يتطلب وعيًا، و نضالًا يوميًا، و صبرًا استراتيجيًا، و هو أمر ممكن ما لم نستعجل قطف الثمار.