
لأول مرة سأخوض في موضوع مؤلم جدًا، يترتب عليه مآل الإنسان في الآخرة. سبق أن تطرقتُ إلى ما تُحدثه الصدمات النفسية و ما ينجرّ عنها من اكتئاب و انهيار، أما اليوم فسأتحدث عن ظاهرة مقلقة في بعض الحالات؛ فهناك صنف من الناس لا يتقبلون قضاء الله و قدره.
لديّ قريبة فقدت أمها في سن مبكرة، و كانت كثيرة التساؤل حول أمور الدين؛ تناقش كل شيء، و تعيد النظر في الأحكام، و تتساءل عن الغاية منها، و لماذا وُجدت، و ما الحكمة وراءها. سؤال يتبعه سؤال، و نقاش يطول، ثم تخرج غير راضية عن الأجوبة. و عندما توفيت والدتها رحمها الله، أصيبت بصدمة شديدة زلزلت عقيدتها.
فهناك من الناس من يتعاملون مع حقيقة الموت و كأنها أمر بعيد لا يعنيهم، فإذا وقعت المصيبة شعروا و كأنهم تلقوا طعنة غادرة، و العياذ بالله. غير أن التشكيك في حكمة الموت يقود الإنسان إلى جدال لا طائل منه؛ فالله عز وجل هو الحكيم العليم، و ليس من شأن العبد أن يعترض على قضائه أو يخاصم قدره.
فالموت حق كما أن الحياة حق، و الوهاب وحده من يقرر متى يكون الرحيل، و في أي ظرف، و من نفارق و كيف نفارق. و التسليم بقضاء الله و قدره هو تسليم بحكمته و قدرته و إيمان به إيمانًا مطلقًا. و لا نملك إلا الرضا و الاحتساب، فنحن مأجورون في السراء و الضراء، والحياة في أصلها رحلة ابتلاء و اختبار. و من يظن أنه خُلق للراحة الدائمة فقط، و أنه بمنأى عن الحزن و المآسي و الآلام، فإنه يغالط نفسه و يتنكر لحقيقة الوجود.
و من يضع ثقته في الله، و يدرك أن الحياة رحلة قصيرة تنتهي و تُطوى صفحاتها، فلن تحطمه الصدمات كما قد يحدث لغيره، بل سيسعى إلى عبادة الله عن بصيرة، و إلى القبول بما ارتضاه الله له. فنحن خُلقنا لعبادة الواحد الأحد، و لم نُخلق لغير ذلك. و من استقام إيمانه عن يقين، و توكل على الله في النوائب و الأفراح، فلا خوف عليه؛ إذ سيقابل كل مصاب بالصبر و الاحتساب. فلا ينبغي أن نيأس من رحمة الله، فرحمته واسعة تسع البشر جميعًا، و لا ملجأ لنا إلا إليه.