
“يعيش المرء ضمن منظومة فكرية و قانونية تنعكس ظلالها على حياته. ففي سنغافورة، من يرمي أي شيء في الشارع يُعاقَب بغرامة تصل إلى 500 دولار أمريكي، بينما في الجزائر لا يقابل تلويث البيئة و العمران بأي عقوبة فعلية؛ فالنصوص القانونية موجودة، لكن التطبيق في الواقع يكاد يكون منعدمًا.
و يظل الفرد حبيس لافعالية المحيط، و عندما يتحرك يجد نفسه الموقّع الوحيد على عريضة تُقدَّم للسلطات. فغياب الوعي، و انعدام ثقافة المواطنة في العموم — و نحن لا نحكم على الاستثناءات — جعلا الفرد و الجماعة على السواء يتعاملان بسلبية كبيرة، كما أن انعدام الثقة بالسلطات أصبح أوسع انتشارًا. و أحيانًا تصلنا تعليقات من قبيل: “نحن مركب غارق، و لا ينفع أي تحرك”.
بلى، التحرك ينفع، و التحرك خير من لا شيء. فمنطق تسفيه كل فعل واعٍ هو منطق مغلوط كان سببًا في تخلفنا و انحطاطنا. و لن تتحسن ظروف المعيشة إن بقي كل أحد في زاويته يشاهد غرق المركب بلا حراك. و هذه ذهنية اللامبالاة تجعل الإنسان ينظر إلى نفسه فقط، متجاهلًا أن ما يحيط به يعنيه في المقام الأول؛ فتلوث الهواء و المياه و العمران و الطبيعة سينجرّ عنه مرضه و تدهور صحته و معيشته. فإن لم يتحرك المرء لإطفاء الحريق في بيت جاره، فسيصل الحريق إلى بيته هو أيضًا.
و لا يضطلع المجتمع المدني بالمهام الموكولة إليه، فعمليات التحسيس و التوعية لا تزال ضعيفة، و لا تطال كل شرائح المجتمع. كما أن الانتهازية التي تطبع العمل الجمعوي و السياسي على السواء أفقدت ثقة الناخبين، و هم قلة على كل حال، لأن عامة الشعب لا تصوّت و لا ترى نفسها معنية بالتصويت. أما المرشحون للانتخابات، سواء كانت تشريعية أو بلدية، فآخر ما يفكرون فيه هو الاقتراب من المواطنين، و عرض برامجهم، و الاستماع إلى انشغالات البسطاء.”