
إذا حاكمنا البيان بلغة المبادئ، و ما تعارفت عليه الأمّة و قواها الحيّة، و حتى معظم أنظمتها، باستثناء “حلف أبراهام”، فهو كارثي بامتياز، لكن محاكمته بلغة السياسة لا تشير إلى “ذكاء” كما سيراه البعض، بقدر ما تعكس “تجريبا للمجرّب”، و سيْر على خطى سلطة “أوسلو” و من يمضي على شاكلتها… و حين نتذكّر توقيت البيان، فسيكون الوضع أكثر سوءا بكثير، إذ يأتي في وقت يتغيّر فيه الخطاب السعودي حيال “الكيان”، و يتصاعد فيه النزاع مع تركيا، و يُسفر فيه الصهاينة عن عبث استثنائي بالمنطقة، ليس في غزة و الضفة الغربية و حسب، و لا حتى في سوريا و لبنان، بل في عموم المنطقة،
بدليل قصة “صوماليلاند” و شهية التقسيم التي باتت واضحة و استفزّت عموم الوضع العربي و الإسلامي، باستثناء جدّ محدود، و معروف الوجهة، و بدليل التحالف القوي الناشئ مع اليونان و قبرص، و سياسة “شدّ الأطراف” و التحالف مع “الأقليّات” المعروفة في أدبيات الصهاينة من زمن قديم. و لك أن تضيف هنا هذه اللحظة الأمريكية “العاهرة”
كما تعكسها عربدة ترامب في فنزويلا و وعوده لإيران و كوربا و المكسيك و كولومبيا و غريدنلاند… و إذا جئنا إلى سوريا ذاتها، فالموقف هنا أكثر وضوحا، إذ يصرخ الصهاينة ليل نهار، بأنهم لن يسحبوا قواتهم إلى المواقع التي كانت فيها عشية سقوط نظام بشار،
فيما يصرّون على دعم الانفصاليين الدروز، بل يتواصلون مع بعض العلويين في الساحل، فيما لا يخفون دعمهم لنوايا الانفصال عند “قسد”، و هو ما تدعمه أمريكا ضمنيا…. إقرأ هذه الفقرة من البيان في ضوء ذلك كله: ”اتفق الطرفان على إنشاء آلية تنسيق مشتركة –
خلية اتصالات مخصصة- لتسهيل التنسيق الفوري و المستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، و خفض التصعيد العسكري، و الانخراط الدبلوماسي، و الفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة”.
إنها كلام يصدر عن صديقين وقع بينهما خلاف عابر، و توسّط بينهما صديق مشترك، و ليس كلاما يخصّ عدوا محتلّا و صائلا و متغطرسا يتبجّح بالهيّمنة على المنطقة، و يصوغه وسيط يتحدث أيضا عن “أمركة” لذات المنطقة بشعارات التنمية و الازدهار، فيما يدرك الجميع أن مصلحة “الكيان” هي ثابته الوحيد.
سيحدّثنا البعض عن فوائد ما لما جرى بوقف الاعتداءات الصهيونية (لن تتوقف عمليا إلا إذا انتفت الحاجة إليها)، و هذا طبيعي، لكن سؤال السياسة الأكبر هو ذاته دائما ممثلا في الموازنة بين مصالح و مفاسد،
و هنا لا يشكّ عاقل أبدا في أننا إزاء بيان كارثي.. هذا بلغة المصالح، فضلا عن المبادئ… بيان لن يوقف العبث الصهيوني الأمريكي، لا في سوريا و لا في عموم المنطقة،
في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى تعاون عربي إسلامي شامل لوقف الهجمة الجديدة المسعورة لإعادة تشكيل المنطقة على مقاس “سيّد صهيوني” لم يعد يخفي برنامجه كما كان يفعل من قبل.
مع سوريا و وحدتها و شعبها الأبي. هو موقف يجعل النصح الصادق أكثر من ضرورة.
و الله حسبنا و نعم الوكيل.