نظرات مشرقة

القراءة الصهيونية : من يخترع يسيطر

بقلم عفاف عنيبة

 

استوقفتني مقالة في قناة الميادين بعنوان: «التكنولوجيا كلغة استعمار: لماذا يطلب هاكابي من اللبنانيين شكر “إسرائيل”؟» لكاتبها بول مخلوف. سأورد بعض فقراتها القيّمة، ثم أعقّب عليها إن شاء الله:

«الأخطر في كلام هاكابي ليس دعوته السخيفة إلى “تذكّر” إسرائيل كلما لمسنا هاتفاً محمولاً، و بالتالي الامتنان لها، و إنما الفكرة الضمنية التي تختبئ خلف هذا التذكّر: أننا مدينون أخلاقياً و سياسياً لمن يحتكر التكنولوجيا و ينسب إلى نفسه نتاجاً إنسانياً تراكمياً شاركت في صنعه شعوب و قارات بأكملها.

هكذا تتحول التقنية من إنجاز بشري تراكمي و مشترك إلى سلطة يفرضها المستعمِر القوي كأداة إخضاع و ابتزاز معاً؛ ابتزاز عرف العالم صورته الأكثر رعباً مع القنبلة الذرية، إلا أنه يعود اليوم متخففاً من هيبته الكارثية، و متسللاً إلى أكثر الأشياء يومية و عادية. غدت التكنولوجيا، في العقل الاستعماري، وثيقة خضوع صامتة، و كأن لسان حال المستعمِر يقول: بما أننا نملك التكنولوجيا، فيفترض بكم أن تقبلوا هيمنتنا، و أن تنظروا إلى قوتنا بوصفها قدراً طبيعياً، و أن تعتبروا تفوقنا التقني دليلاً على أحقيتنا بالسيادة. و إن رفضتم هذا القدر، أو حاولتم مقاومته، فلن نتردد في استخدام التكنولوجيا نفسها لمعاقبتكم و قتلكم بها».

من يقرأ هذه السطور بتمعّن سيدرك فوراً مغزى تصريح سفير ترامب في القدس المحتلة. فنحن نعيش في عالم من يمتلك مفاتيح التكنولوجيا و العلوم يمتلك القدرة على فرض إرادته السياسية و الاقتصادية و الثقافية على غيره. غير أن ما يجب الانتباه إليه هو أن التقدم العلمي ليس ملكاً لشعب واحد أو أمة واحدة، بل هو حصيلة تراكم إنساني طويل ساهمت فيه حضارات متعددة عبر التاريخ.

و ما تجاهله العالم العربي و الإسلامي طوال قرن كامل هو أن غياب النهضة الحضارية الحقيقية يجعل الأمة عرضة للتبعية و الهيمنة. فالأمم التي لا تنتج المعرفة و لا تمتلك أدوات التكنولوجيا الحديثة تبقى رهينة لمن ينتجها و يتحكم فيها. و لذلك أصبحنا، في أبسط تفاصيل حياتنا، عبيد لمنظومات علمية و تقنية لم نشارك بفاعلية في تطويرها أو صناعتها.

و في المقابل، ركّزت الحركة الصهيونية و الدول المتقدمة على بناء القوة العلمية و التكنولوجية و الاقتصادية، بينما غرق عالمنا العربي و الإسلامي في الفساد السياسي و الاقتصادي و الإجتماعي و الثقافي. فالعجز الحضاري لا يُعالج بالشعارات، و إنما ببناء الإنسان، و إصلاح التعليم، و إطلاق البحث العلمي، و ترسيخ العدالة و الكفاءة و العمل المنتج.

فوجودنا يتوقف علي منظومة علمية تكنولوجية لم نكن طرف في إبتكارها أو إختراعها أو تصميمها، كل ما نحسن فعله الإستهلاك و بغباء، فالقابلية للإستعباد متجذرة فينا. فشعورنا بالدونية و الإنبهار أمام الآخر الصهيوني المستكبر المغرور كبلنا.

يرانا الصهيوني علي أننا أقل شأنا من الحيوانات و الحشرات و نحن قبلنا علي أنفسنا هذا الإذلال و الإستعباد. قبلنا بالإستقالة الحضارية ليخرج علينا سفير ترامب في فلسطين المحتلة ب”علينا بشكر بنو صهيون علي الهواتف المحمولة و الطماطم الكرزية”.

المشكلة الحقيقية ليست في تصريح هاكابي بحد ذاته، بل في واقع حضاري سمح لمثل هذا الخطاب المتعالي أن يجد ما يستند إليه من ضعفنا و تبعيتنا. فالأمم التي لا تنتج التكنولوجيا و لا تمتلك المعرفة تبقى دائماً في موقع التابع لا الفاعل. و لذلك فإن معركة التحرر الحقيقية تبدأ من استعادة الفاعلية الحضارية و العلمية، لا من الاكتفاء بالغضب و الانفعال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى