
كل شيء متوقف على الإنسان، على الفرد: هل هو في مستوى المسؤولية الحضارية أم لا؟ فالتغيير المفضي إلى إصلاح جذري يتطلب وقتاً و صبراً و مثابرة و تضحيات.
و قد رأينا ما جرى في مصر بعد ثورة يناير؛ إذ استعجل الثوار قطف الثمار. فرئيس انتُخب بشكل نزيه لم يُمهَل حتى أربع سنوات ليبدأ ورشة التغيير، فقد ورث الرئيس محمد مرسي نظاماً فاسداً إلى النخاع، فكيف يتسنى له، في بضعة أشهر، إصلاح خراب المفسدين الممتد على مدى ثمانية عقود أو أكثر؟
فالنهضة ليست قراراً سياسياً عابراً، و إنما هي تراكم أفعال مسؤولة و محسوبة. غير أن كثيرين في مصر أرادوا تغيير كل شيء في ظرف بضعة أشهر، و كأن المجتمعات يمكن أن تنتقل من التبعية و الفساد إلى الاستقرار و الفاعلية الحضارية بين ليلة و ضحاها.
و مشكلة المسلم في هذا الزمان أنه أصبح فسيفساء متشظية لا تجمعها قواسم مشتركة بين مختلف أطياف المجتمع؛ فكل طرف يريد سحب البساط لنفسه على حساب الآخرين. و كأن تجارب الاحتلال العسكري، و الفساد السياسي و الاقتصادي بعد الاستقلال الصوري، لم تبلور لديه تصوراً واضحاً لما ينبغي فعله و ما يتعين تفاديه.
فالنهضة مشروع حضاري شامل يلامس كل مجالات الحياة، و يبدأ أولاً بالفرد: بتربيته، و أخلاقه، و سلوكه، و بصمته ودوره في محيطه الصغير و الكبير.
ويرى بعض المحللين أن همّ المسلم، أيّاً كانت جنسيته، أصبح محصوراً في القوت و السكن و الصحة؛ فهو يلهث طوال اليوم وراء الضروريات، ذلك الركض الذي همّش حقه في الحياة الكريمة و في المطالبة بالنهضة الحضارية. لكننا ننسى، وسط هذا الواقع البائس، أن التغيير الجذري يبدأ من الإنسان نفسه، من استعداده لتحمل مسؤولية الإصلاح و دفع ثمنه.
فرفض الانخراط في منظومة التغيير الحقيقي، و تجنب مواجهة الذات، و الاستسلام للواقع، كلها عوامل تصادر حق الإنسان في الارتقاء والخروج من دائرة التبعية و الهوان.
والنتيجة التي نراها اليوم: مزيد من التخلف و التقهقر و الارتهان للغير. فالأمم التي لا تواجه أزماتها بصدق، و لا تتحمل مسؤولية النهوض، تبقى أسيرة الضعف مهما امتلكت من شعارات و خطابات.