مع قلم الأستاذة كريمة عمراوي

سنونو واحد لا يصنع الربيع

بقلم الأستاذة كريمة عمراوي

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و على آله و صحبه و بعد:

نعمة الانتباه؛ ترى هل خلق الله لنا هذه الحواس، و البصيرة عبثا ؟ ترى هل فعّلنا هذه النعم لما خلقت له ؟

إنّ المولى البارئ خلق لنا كل هذه الحواس المعجزة للانتباه، نعم لننتبه، هل عرف الهدهد استعمال انتباهه أكثر من الكثير من الناس ؟ نعم، عندما وجد مملكة عظيمة فيها القوة، فيها تقدم و حضارة، فيها ملك، كل هذه الأشياء اللاّمعة لم تغري هذا الطائر الصغير، لكن بعينه الثاقبة لاحظ الخلل الموجود في العقيدة عندهم، و قال لنبي الله سليمان عليه السلام:” عندي لك أيها الملك العظيم شيء أنت غفلت عنه”، أنت أيها الضعيف المستضعف، أنت هو المخلوق الصغير مثل الهدهد، لمّا تفعّل الاستعمال الصّح لحواسك و بصيرتك، ترى الشخص الذي كنت تظنه عظيم، و أنه فوقك، و أقوى منك، ترى نقاط الضعف الموجودة فيه، ترى الخلل الموجود فيه، فلا يخيفك، فترجع هذا الشخص لحجمه الطبيعي، هذا الانتباه المعجزة يحتاج إلى حواسك كلها، بدون تشغيلها لا يوجد انتباه، أنظر إلى تكاتف هذه الحواس ماذا يصنع بإذن الله العظيم، أنظر إلى تفاعل الجسم و الحواس حتى يشكلوا الانتباه، هنا تظهر قيمة التكاتف و التعاون.

الباحثة و العالمة الجزائرية يسمين بلقايد ( المديرة العامة لمعهد باستور في باريس) توجت مؤخرا بجائزة ” لويس جانتي” السويسرية المرموقة للطب لعام 2026 و هي واحدة من أهم الجوائز العلمية في أوروبا، و تمنح لدعم الأبحاث المستقبلية الواعدة، و ذلك تقديرا لأبحاثها الرائدة التي غيرت المفاهيم التقليدية حول “الميكروبيوم” الميكروبات النافعة و علاقته بالصحة، ” ياسمين بلقايد” أعادت تعريف دور البيكتيريا النافعة، أثبتت أبحاثها أن الجهاز المناعي للإنسان لا يعمل بمعزل عن الميكروبات التي تعيش داخله؛ مثل بيكتيريا الأمعاء و الجلد، بل إن هذه الميكروبات تعد شريكا أساسيا يدرّب الخلايا المناعية و ينظم استجابتها لمحاربة العدوى و الالتهابات.

كشفت كيف تؤثر عناصر غذائية معينة بشكل حاسم على الأنسجة المناعية على سبيل المثال أوضحت أبحاثها دور فيتامين”أ” في تنظيم الدفاعات المناعية، داخل الأنسجة المخاطية.

اكتشفت أن جسمنا كوكب متعاون. قبل أبحاثها كان العلم يتعامل مع الجسم و كأنه” حصن مغلق” و جهازه المناعي عبارة عن جيش يحارب أي كائن غريب، لكن “بلقايد “غيرت هذا المفهوم تماما، و أثبتت أننا لسنا مجرد كائن حي واحد، بل نحن نظام بيئي كامل، أو كوكب مصغر يعيش فيه تريليونات من سكان الميكروبات( البيكتيريا،الفطريات،و الفيروسات) في حالة تعاون متبادل و ضخم.

التعاون يظهر أثره على صحتنا، سلامنا، رقيّنا، و الله يريد منّا أن نبصره من خلال جسمنا و ما حولنا قال تعالى:{ و في أنفسهم أفلا يبصرون}، الأفضل أن نهجر النزعة الفردية التي نزعت منّا فطرتنا السوية و شوهت حاضرنا و مستقبلنا، و ندرك أن سنونو واحد لا يصنع الربيع.

هذا و الله أعلم و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى