سياسةيهمكم

لماذا لا يذهب جي ستريت إلى المدى الكافي ؟

بقلم هاريسون برغر ترجمة إلي العربية الذكاء الإصطناعي

إن مزادًا غير قانونيًّا لبيع أراضٍ فلسطينية مسلوبة داخل كنيس مرموق في حي أبر إيست سايد الراقي في نيويورك، والإدانات السريعة التي أطلقتها جماعات مثل «جي ستريت» ضد سكان نيويورك الذين حاولوا الاحتجاج عليه، يكشفان عن العطب الصهيوني الكامن في قلب المؤسسة اليهودية الأمريكية النخبوية، التي تُفسد الدين من داخله و تشوهه، كما يكشفان سبب كون الجماعات الصهيونية الليبرالية لا تمثل سوى تحدٍّ عاجز لهذا الواقع.

لقد نُظم «المعرض الإسرائيلي الكبير للعقارات» الثلاثاء الماضي في كنيس بارك إيست بمنهاتن، بهدف مساعدة المشترين المحتملين في الولايات المتحدة و كندا و المملكة المتحدة على شراء أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة. و كان الموقع الإلكتروني للمعرض يعلن عن أراضٍ معروضة للبيع في «غوش عتصيون»، و هي مجموعة من المستوطنات في الضفة الغربية تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

كما عرضت إحدى الشركات المشاركة، و هي «هاري زهاف»، خرائط و منشورات ترويجية لعقارات في «كفار إلداد» و «كرني شومرون» و غيرها من مستوطنات الضفة الغربية. و تُعد «كرني شومرون» موضوع اتفاقية تطوير حكومية إسرائيلية بقيمة 633 مليون دولار تهدف إلى مضاعفة عدد سكانها تقريبًا ثلاث مرات. و قد وصف وزير البناء الإسرائيلي حاييم كاتس هذا المشروع بأنه «سياسة واضحة للاستيطان و بناء أرض أجدادنا»، إلى جانب تخصيص أراضٍ منفصل يهدف إلى منع البناء العربي في المنطقة.

و ردًّا على هذه المبيعات غير القانونية للأراضي، استخدم سكان نيويورك حقوقهم المكفولة بموجب التعديل الأول للدستور الأمريكي للتجمع و الاحتجاج أمام الكنيس، مؤكدين أن استخدام مؤسسة دينية لحماية نشاط سياسي بحت أمر غير مقبول.

و كما أوضحت منظمة «الصوت اليهودي من أجل السلام» في بيان دعوتها إلى التحرك، فإن مثل هذه «الفعاليات تحاول بصورة انتهازية الاحتماء من الاحتجاجات عبر إقامة عمليات البيع داخل كنيس. و لا ينبغي لأحد أن يسهّل بيع الأراضي المسلوبة، فضلًا عن مؤسسة دينية».

و رغم أن المحتجين وُصِفوا فورًا بأنهم «معادون للسامية» — و هي التهمة التي تُستخدم تلقائيًّا ضد أي انتقاد للسياسات الإسرائيلية بصرف النظر عن هوية المنتقد، و تُستخدم بسخرية خاصة في هذه الحالة لأن عددًا من المحتجين كانوا يهودًا أصلًا — فإن هؤلاء كانوا يستهدفون بصورة مشروعة ما أصبح هيمنة أيديولوجية أوسع للحكومة الإسرائيلية على المؤسسات اليهودية الأمريكية النخبوية، و تحويل هذه المؤسسات إلى دعامة مالية لمشروع «إسرائيل الكبرى».

و منذ عام 2023 جمعت المعابد اليهودية و الاتحادات اليهودية الأمريكية ملايين الدولارات لصالح منظمة «زاكا»، و كذلك لصالح منظمة «يونايتد هتسلاه» المنافسة لها. كما أن «الصندوق القومي اليهودي»، و هو مؤسسة أمريكية غير ربحية معفاة من الضرائب و مندمجة مؤسسيًا في المعابد اليهودية عبر البلاد، دأب لعقود على شراء أراضٍ يُمنع الفلسطينيون قانونيًا من امتلاكها أو الوصول إليها.

و تقوم منظمة «هيلل الدولية» برعاية طلاب الجامعات اليهود الأمريكيين في رحلات تتضمن التطوع في قواعد عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي. كما تنظم مؤسسات مثل «الصندوق المركزي لإسرائيل» و«جي غيفز» و «إسرائيل غيفز» حملات جمع تبرعات معفاة من الضرائب لصالح وحدات الجيش الإسرائيلي العاملة في غزة و الضفة الغربية عبر الشبكات المؤسسية اليهودية نفسها التي اجتمعت في كنيس بارك إيست الأسبوع الماضي لبيع الأراضي الفلسطينية المصادرة.

لقد اعتمدت إسرائيل دائمًا على أموال الجاليات اليهودية في الخارج من أجل بقائها، و هو ما يفسر وجود شبكة ضغط سياسية واسعة و نشطة تعمل لصالحها. و في ظل هذه الظروف، فإن ما وصفته منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية بأنه «نظام تفوق يهودي من النهر إلى البحر» لا يمكن تحديه بصورة جادة من دون مواجهة البنية المؤسسية اليهودية الأمريكية التي تموله، و هو بالضبط ما حاول المحتجون القيام به أمام كنيس بارك إيست.

لكن أولئك النيويوركيين، و من بينهم كثير من اليهود، الذين خرجوا للاحتجاج على مبيعات الأراضي غير القانونية هذه، تعرضوا لإدانات سريعة، كان من بينها إدانة منظمة «جي ستريت»، و هي جماعة ضغط تصف نفسها بأنها «مؤيدة لإسرائيل و مؤيدة للسلام»، و قد قدمت نفسها باعتبارها البديل الليبرالي لمنظمة «إيباك».

و كتبت المنظمة: «يمكن لأمرين أن يكونا صحيحين في الوقت نفسه. فالاحتجاجات التي تمجد العنف، و ترفع أعلام حزب الله، و تهتف لتدمير إسرائيل، هي أمر خاطئ. كما أن استخدام معابدنا اليهودية للترويج لبيع المنازل في مستوطنات الضفة الغربية أمر خاطئ أيضًا».

و بالطبع، فإن الأمريكيين أحرار في «تمجيد العنف أو رفع أعلام حزب الله أو الهتاف لتدمير إسرائيل». فكل ذلك يندرج ضمن أشكال التعبير التي يحميها الدستور الأمريكي، رغم الجهود المكثفة التي يبذلها اللوبي الإسرائيلي لتجريمها.

غير أن رد «جي ستريت» على تلك الاحتجاجات ــ بإدانة المحتجين و مبيعات الأراضي بالقدر نفسه ــ يكشف عن محاولة المنظمة المحافظة على توازن صعب و متناقض و غير مستقر. و يقوم هذا التوازن على فكرة موجهة، أو بالأحرى مضللة، مفادها أن الصهيونية يمكن إصلاحها في نهاية المطاف لتصبح مشروعًا أخلاقيًا، و أن الحل يكمن في حكومة إسرائيلية أفضل، و أن المؤسسات اليهودية الأمريكية النخبوية التي موّلت التوسع الاستيطاني، و ساعدت في تسليح الجنود المشاركين في التطهير العرقي في غزة، و روّجت للدعاية الإسرائيلية المتعلقة بالفظائع، لا تتحمل مسؤولية حقيقية عما تفعله إسرائيل.

و قد برز هذا التناقض بصورة أوضح في مذكرة حديثة أصدرتها المنظمة تدعو ظاهريًا إلى إنهاء المساعدات الأمريكية غير المشروطة لإسرائيل. و مع أنها طالبت بوقف بعض عمليات نقل الأسلحة، فإنها أصرت في الوقت نفسه على أن تواصل الولايات المتحدة «بيع أنظمة الدفاع الجوي القصير المدى و الدفاع ضد الصواريخ الباليستية لإسرائيل»، بما في ذلك منظومات «القبة الحديدية» و«مقلاع داود» و«حيتس»، إضافة إلى الصواريخ الاعتراضية و مكونات الأنظمة الأخرى.

و ترى «جي ستريت» أن هذه الأنظمة «دفاعية بحتة، و قد أنقذت عددًا لا يحصى من أرواح المدنيين عبر اعتراض الهجمات القادمة من حماس و حزب الله و إيران و غيرهم».

غير أن الكاتب يرى أنه إذا كان الهدف من هذا الموقف الجديد هو تغيير السلوك الإسرائيلي، فإنه ليس هدفًا جادًا؛ لأن منظومة القبة الحديدية هي التي تتيح لإسرائيل خوض حروبها عبر جبهات متعددة في الوقت نفسه من دون خوف من ردود فعل مكلفة من الشعوب التي تستهدفها.

وبالقدر نفسه من عدم الجدية، يصف الكاتب انتقاد «جي ستريت» للحملة الإسرائيلية الحالية في لبنان بأنه انتقاد منزوع الفاعلية، إذ تحصر المنظمة المسؤولية في «حرب نتنياهو و سموتريتش».

فقد كتب نائب رئيس المنظمة الأول، إيلان غولدنبرغ، في بيان صدر في الأول من مايو:

«إن نتنياهو و سموتريتش يطبقان في جنوب لبنان الأسلوب نفسه الذي اتبعاه في الضفة الغربية و غزة، و نحن نفشل في إيقافهما».

لكن الكاتب يشير إلى أنه منذ الثاني من مارس قُتل أكثر من 2700 شخص في لبنان، و نزح أكثر من 1.2 مليون إنسان. كما دعا وزير الدفاع الإسرائيلي إلى تطهير جنوب لبنان عرقيًا وفق «نموذج غزة»، و تُظهر الصور التي نشرها صحفيون محليون أن جنود الجيش الإسرائيلي نفذوا ذلك بالفعل بدعم أمريكي كامل.

و تفيد تقارير صحفية إسرائيلية بأن جنودًا إسرائيليين شاركوا في عمليات نهب واسعة للمنازل و المتاجر الخاصة في جنوب لبنان، و أن كثيرًا منهم كانوا يبررون لأنفسهم سرقة الممتلكات باعتبار أن هذه المباني ستُهدم على أي حال. و وفقًا لهذه التقارير فإن الجنود أصبحوا «أصحاب مصلحة في الدمار و في إطالة أمد الحرب».

و مع ذلك، فإن من يقرأ بيانات «جي ستريت» قد يظن أن بنيامين نتنياهو و بتسلئيل سموتريتش هما اللذان يهدمان قرى جنوب لبنان بأيديهما، و ليس الجيش المجند و المتطوعون المدنيون الإسرائيليون الذين يشاركون يوميًا في هذه الأفعال.

إن الاستنتاجات التي لا تستطيع «جي ستريت» أن تصل إليها أصبحت تُطرح اليوم بصورة علنية من قبل عدد متزايد من اليهود الأمريكيين، و خاصة من الأجيال الشابة التي شاهدت مؤسساتها المجتمعية و هي تتعبأ للدفاع عن دولة فصل عنصري و عن الحرب التي دعمتها.

و يرى الكاتب أن وصف المحتجين أمام كنيس بارك إيست بأنهم «معادون للسامية» يعكس إلى أي مدى نجحت المؤسسة التقليدية في دمج الهوية اليهودية بالسياسات الرسمية للدولة الإسرائيلية، و هو دمج بات عدد متزايد من اليهود الأمريكيين الشباب يرفضونه.

و يخلص الكاتب إلى أن المؤسسات اليهودية الأمريكية، ما دامت غير قادرة على الفصل بين اليهودية و الصهيونية، فإن تهمة «معاداة السامية» ستفقد قيمتها الأخلاقية تدريجيًا، بينما سيزداد الفراغ داخل الدين الذي جرى توظيف هذه التهمة لحمايته.

الرابط للمقالة باللغة الإنجليزية : https://original.antiwar.com/harrison_berger/2026/05/12/why-j-street-does-not-go-far-enough/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى