
حرب روسيا على أوكرانيا منذ فبراير/شباط 2022 غرقت في مستنقع الاستنزاف، و العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران توقف ليتحول إلى هجمات متباعدة، و لم تحصل لا موسكو و لا واشنطن على مرادهما. و كان من المفترض أن يتحول ذلك إلى موضوع دراسة معمقة لاستخراج المفاتيح التي تتيح لنا فهم كيفية هزم القوي العظمي.
بل إن ما نستطيع استنتاجه من الآن هو أن موازين القوة لا تُقاس بالتطور العسكري وحده، و إنما كذلك بالإرادة التي تحرك الآلة العسكرية و الاقتصادية و السياسية. فإيران صمدت، رغم الحصار و العقوبات، و وجهت ضربات أظهرت قدرتها على تحمل الضغوط و مواجهة خصومها.
و ذلك الشعور بالضآلة أمام واشنطن أو بكين أو موسكو يعكس، في جانب منه، عجزنا عن النهوض الحضاري و ميلنا إلى تضخيم قدرات الخصم إلى مدى غير معقول. و قد أثبتت إيران، أهمية الصمود و المقاومة، و استهداف نقاط ضعف الخصم، و تفعيل عقيدة الدفاع، بحيث تكتلت في توقيت حاسم مختلف شرائح المجتمع الإيراني خلف القيادة السياسية و العسكرية. فعند العدوان الخارجي تضيق مساحة الخلافات الداخلية و تتقدم أولوية الدفاع عن الدولة.
و على مدى عقود وظفت إيران أدمغتها و مواردها في المجال العسكري، و رهانها هذا كان في محله من منظور استراتيجي، إذ أسهم في تعزيز قدراتها الردعية. كما أنها رفضت الرهان على حسن نيات خصومها، و تمسكت بقراءة تقوم على أن العلاقات الدولية تحكمها موازين القوة و المصالح قبل أي شيء آخر.
إن الدرس الذي تقدمه التجربة الإيرانية جدير بالدراسة في جامعاتنا و مناهجنا التعليمية؛ فالقوة العظمى قد تبدو أقل قدرة مما نتصور حين تواجه خصماً يمتلك إرادة سياسية، و تماسكاً مجتمعياً، و عقيدة راسخة، واستعداداً لتحمل كلفة المواجهة على المدى الطويل.