
في ملف فلسطين و لبنان و سوريا، ظل مبدأ التفاوض في كثير من الأحيان حجر عثرة أكثر منه وسيلة لحلحلة نزاعات و حروب لا تبدو لها بداية واضحة و لا نهاية قريبة. فماذا يقول تعريف التفاوض؟ “التفاوض على المستوى السياسي أو العسكري هو عملية حوار و مساومة بين طرفين أو أكثر بهدف الوصول إلى اتفاق يحقق بعض مصالح كل طرف و يقلل من نقاط الخلاف، دون اللجوء إلى الحسم بالقوة وحدها.” و هذا يعني أن امتلاك عناصر القوة يظل عاملاً مؤثراً في إنجاح التفاوض. و كما قال الرئيس جون كنيدي : «لا ينبغي أن نتفاوض بدافع الخوف».
فالتفاوض الذي يجري من موقع ضعف شديد نادراً ما يثمر نتائج جوهرية. فمنذ ما قبل عام 1993، دخلت منظمة التحرير الفلسطينية في مسارات تفاوضية مع إسرائيل، بينما نتائج هذه المسارات لم تحقق للشعب الفلسطيني ما كان يُرجى منها، في حين استمر التوسع الاستيطاني و تعقدت القضية الفلسطينية أكثر فأكثر. و أصبح كثير من أبناء الأجيال الجديدة يعرفون تفاصيل كثيرة عما يسمي زورا و بهتانا “إسرائيل”، بينما يجهلون كل شيء عن فلسطين و قضيتها.
إن التفاوض من موقع قوة، حيث يمتلك الطرف المفاوض أوراق ضغط حقيقية، يكون أكثر قدرة على تحقيق المكاسب. أما الجلوس إلى طاولات المفاوضات لمجرد إدارة الوقت، من دون نتائج ملموسة على الأرض، فلا يجدي نفعا.
و ينطبق الأمر نفسه على لبنان. فالتفاوض لا يحقق أهدافه إذا جرى من دون امتلاك أدوات ضغط سياسية أو عسكرية أو اقتصادية. و الاعتقاد بأن الخصم سيتخلى عن مصالحه أو ينسحب من أراضي لبنانية من دون مقابل أو ضغط مؤثر محض وهم. لذلك فإن الذهاب إلى المفاوضات يستلزم امتلاك أوراق ضغط علي العدو، أما أن نستجدي انسحابه و كفَّ شره عن لبنان، و نركز فقط على تجريد حزب الله و المقاومة من سلاحهما، فهذا منتهى الغباء السياسي. فحق المقاومة حق إلهي و ليس فقط حقًّا وضعيًّا، و صدُّ العدوان الصهيوني في فلسطين و لبنان و سوريا حق لا لبس فيه.
و في هذا السياق، تتبني طهران استراتيجية تقوم على دعم القوى التي تعتبرها جزءاً من محور مواجهة إسرائيل، بينما مشكلة نظام التجزئة العربي تكمن في دخوله مفاوضات لا يمتلك خلالها أوراق ضغط كافية، مما يجعله أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها.
لذلك، فإن التفاوض ليس غاية في حد ذاته، و إنما وسيلة لتحقيق أهداف سياسية محددة. و تبقى قيمته الحقيقية مرتبطة بما يملكه الطرف المفاوض من أوراق قوة، و بقدرته على تحويل الحوار إلى نتائج عملية على أرض الواقع.
و بإختصار التفاوض من موقع قوة يمنح المفاوض قدرة اكبر علي إنتزاع تنازلات و التفاوض من موقع ضعف لن يجلب إلا مزيد من التنازلات و ضياع الحقوق و هذا ما تجسد فعليا في ملف فلسطين، ضاعت الحقوق و الأرض بإسم التفاوض من أجل التفاوض.