
يستحيل توحيد الصف في ظل التطبيع و التنسيق الأمني مع بني صهيون، فإحدى كبرى العوائق التي تواجه العالم العربي و الإسلامي في التصدي للعدوان الصهيوني على فلسطين و جوارها، و على دول مثل إيران، هي ظاهرة التطبيع. فاعتراف الفلسطينيين، و قبلهم المصريين، بحق بني صهيون في إقامة كيان غاصب على أرض فلسطين، و القبول العملي بمحو فلسطين من خريطة العالم، ألغى عملياً مطلب تحرير الأرض و الإنسان.
في ستينيات القرن الماضي كنا نواجه بني صهيون عسكرياً، أما اليوم فلم نعد نواجههم عسكرياً، بينما تضاعف عدد الخصوم و العقبات. فمن هم إلي جنب بني صهيون أنظمة عربية، مصر و الإمارات و المغرب الأقصي و الأردن و السودان و البحرين، و هي دول أقامت علاقات تطبيع مع العدو، و أصبحت مرتبطة به اقتصادياً بدرجات متفاوتة.
فالإمارات، على سبيل المثال، جعلت من العامل الاقتصادي الصهيوني لاعباً مؤثراً في اقتصادات الخليج الفارسي، كما أن ترابط المصالح بين بني صهيون و بعض النخب الحاكمة في الدول المطبعة بلغ درجة من المتانة دفعت مركز دراسات الشرق الأوسط في واشنطن إلى الإشادة بمستوى هذه العلاقات حتى في عز الإبادة الجماعية في غزة.
و حين نناقش ملف النهضة الحضارية و إيجاد استراتيجية مواجهة حضارية مع المشروع الصهيوني، لا نستطيع القفز على هذه الحقيقة؛ فجل الدول العربية اليوم تخلت عملياً عن فلسطين المحتلة عام 1948. هذا ناهيك عن الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الخط الأخضر، و الذين اختار بعضهم الاندماج فيما يسمي زورا و بهتانا دولة “إسرائيل” و يعرفون أنفسهم بوصفهم إسرائيليين و ليسوا فلسطينيين.
فنحن أمام معضلة قاسية جدا، من صنعها نظام تجزئة عربي متآمر علي الشعوب و علي فلسطين. فنظام التجزئة العربي قائم بمباركة أمريكية صهيونية و لا يملك أي شرعية مستمدة من الإسلام أو حتي من تأييد شعوبه عبر صناديق الإقتراع، لذلك فنحن لا نقاوم إحتلال وحشي فقط، نحن نحارب أيضا أنظمة عربية متواطئة مع الإحتلال الصهيوني و هذه الدول شعوبها مغيبة مفعول بها و ليست فاعل و حجم التحدي كبير فالتغيير و الإصلاح الجذري إن لم يأتي من الداخل من المستحيل فرضه من الخارج.