سياسةقضايا اجتماعية

شاهد.. هكذا دفعت حرب الإبادة أطفال غزة إلى سوق العمل مبكرا

بقلم الأستاذ رائد موسى

 

غزة – يخرج مالك أبو نصر كل صباح بعربة صنعها من كرسي متحرك مهترئ، ليجوب الأسواق و الشوارع بحثا عن رزق يسير يعيل به أسرته النازحة في خيمة متهالكة شرق مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.

مالك طفل في العاشرة من عمره، كان يحلم أن يصبح طبيب أسنان، لكنه وجد نفسه فجأة مسؤولاً عن والدته و أشقائه الثلاثة بعد أن فقد والده شهيدا في غارة جوية إسرائيلية خلال حرب الإبادة، فاضطر أن يترك طفولته جانباً ليكون السند الوحيد لأسرته.

و نزحت عائلته من منزلها قبل أن يدمره الاحتلال في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، خلال الشهور الأولى للحرب، و تعيش حياة بائسة و خطرة في خيمة بأحد مخيمات النازحين القريبة مما تسميه إسرائيل “الخط الأصفر” الخاضع لسيطرتها شرق دير البلح.

الرزق عبر كرسي إعاقة

و بينما يحتفي العالم في 12 يونيو/حزيران سنويا باليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال الذي دشنته منظمة العمل الدولية منذ عام 2002، لتركيز الاهتمام على مدى انتشار ظاهرة تشغيل الأطفال حول العالم، وتعزيز الجهود للقضاء عليها، يبدو الواقع الذي أنتجته حرب الإبادة في غزة مختلفاً تماماً، حيث وجد آلاف الأطفال أنفسهم مجبرين على العمل مبكرا و إعالة أسرهم، سواء بسبب استشهاد المعيل أو لمساعدة عائلاتهم في ظل ظروف معيشية كارثية.

و مالك هو أحد هؤلاء، و قد حوّل كرسياً متحركاً مهترئاً خاصاً بذوي الاحتياجات الخاصة إلى عربة يدوية يستخدمها لنقل أمتعة الناس و احتياجاتهم اليومية مقابل أجرة زهيدة لا تتجاوز 15 شيكلا (نحو 5 دولارات)، يعود بها إلى والدته آلاء أبو نصر، التي تعتمد على هذا الدخل المتواضع لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرتها.

و يدفع الطفل عربته اليدوية أمامه أو يجرها خلفه، و يجوب بها الأسواق و الشوارع و مخيمات النزوح، بحثا عن رزقه اليومي، و قد باتت مثل هذه الوسيلة البسيطة خياراً قسرياً للناس لنقل أمتعتهم و احتياجاتهم، في ظل أزمة مواصلات خانقة بعد أن دمرت الحرب وسائل النقل التقليدية.

و يقول مالك للجزيرة نت إنه يحب التعليم، و حلمه أن يصبح طبيب أسنان، لكن هذا الحلم بات مؤجلاً، و اضطر لترك التعليم و التفرغ للعمل من أجل أسرته.

بين القهر والفخر

و تصفه والدته آلاء (34 عاما) بأنه أصبح “السند الوحيد لي و لإخوته”، و تبدي حزناً على طفولته المفقودة و فخراً بتضحيته رغم عمره الصغير و جسده الغض.

و بتأثر شديد تتحدث “أم مالك” عن طفلها، الذي كان من الطلاب المتفوقين في مدرسته قبل الحرب، و يتمتع بقدرات مميزة، و تقول للجزيرة نت: “ورث عن والده الشيخ الشهيد زياد أبو نصر موهبة الخطابة و الصوت العذب في تلاوة القرآن الكريم و يحفظ 5 أجزاء منه”.

و بين مشاعر الحزن على طفولة ابنها المسلوبة و الفخر بتحمله المسؤولية، تراقب هذه الأم رحلة ابنها اليومية في مواجهة ظروف تفوق طاقة الأطفال، و تشير إلى أن القلق يلازمها عليه منذ خروجه و حتى عودته.

للفتيات نصيب من الشقاء

و بين عربة مالك اليدوية و بسطة نور بارود، تتجسد مأساة أطفال غزة و حياتهم التي تحولت إلى كفاح يومي من أجل البقاء، فيما تبقى أحلامهم بالدراسة و اللعب مؤجلة، حيث فرض عليهم واقع الحرب أن يكونوا عمالاً صغاراً يحملون أعباء الكبار.

و على بسطة صغيرة في الشارع الرئيسي لمدينة دير البلح، تقف نور (13 عاما) – من ساعات الصباح الباكر و حتى مغيب الشمس – إلى جانب والدها و أشقائها الصغار لبيع عبوات وقود مصنع محليا عبر حرق النفايات البلاستيكية، بعد منع الاحتلال توريد الوقود للقطاع.

كانت هذه الطفلة تحلم بأن تصبح طبيبة بشرية في المستقبل، إلا أن الحرب دفعتها إلى ترك الدراسة و الانخراط في العمل مبكرا و بما لا يناسبها كأنثى بمثل عمرها، لمساعدة أسرتها، في ظل ظروف معيشية متدهورة.

و غيرت الحرب تفاصيل حياتها بالكامل، و حولتها من طفلة منشغلة بالدراسة و الأحلام إلى عاملة صغيرة تبحث مع أسرتها عن وسائل البقاء و الحياة. و تقول للجزيرة نت إن الحرب حرمتها و بقية أطفال غزة من حقهم في التعليم و اللعب،  و باتوا الشريحة الأكثر تأثراً بتداعياتها غير المسبوقة.

آثار نفسية و جسدية

من جهتها، قالت أخصائية التنمية البشرية و الطاقة الحيوية، الدكتورة نوال عسقول، للجزيرة نت، إن الطفل في غزة تحوّل بفعل تداعيات الحرب من كائن يحتاج الرعاية إلى سند لأسرة كاملة وجدت نفسها في مواجهة حياة صعبة و معقدة.

و لم تعد عمالة الأطفال في غزة مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي إستراتيجية بقاء قسرية يخوضها أطفال لم يبلغوا الحلم بعد، تحت القصف و مخاطر جمة، من أجل توفير أدنى سبل الحياة لأسرهم، بحسب عسقول.

و أشارت إلى ما تصفه بـ “جيش من الأطفال الأيتام”، ممن فقدوا آباءهم خلال الحرب، و في ظل منظومة إغاثية عاجزة عن تلبية الاحتياجات الهائلة للسكان في القطاع المدمر بفعل الحرب، وجدوا أنفسهم في محل مسؤولية الأب والمعيل.

و لا تقتصر هذه الظاهرة -وفقا لها- على الذكور منهم، بل تطال فتيات انخرطن في سوق العمل قسرا، يجبن الشوارع، و يقفن خلف بسطات، و يواجهن قسوة الحياة مبكرا، للحصول على لقمة العيش.

و أكدت: “أطفالنا كبروا قبل أوانهم، و يتحملون مسؤوليات ستترك آثارها طويلا على صحتهم النفسية و الجسدية”. مضيفة “الحرب و تداعياتها حولت أجسادهم إلى أدوات شقاء”.

إبادة و”جريمة مركبة”

بدوره، قال مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، علاء السكافي، للجزيرة نت، إن أطفال غزة يعانون من جريمة مركبة نتيجة انتهاكات الاحتلال، سواء بالقتل المباشر، أو بسلبهم طفولتهم و حقوقهم الأساسية.

و أوضح أن الاحتلال يتعمد استهداف الأطفال بطرق شتى، بالقتل و الإصابة، و الحرمان من الحق في التعليم و اللعب و الأمان، علاوة على ظاهرة الأيتام التي خلفتها الحرب، و أجبرتهم على تحمل مسؤولية المعيل، و دفعتهم للعمل مبكرا في أعمال شاقة، و حتى في نبش النفايات بحثاً عن سبل الحياة.

و أكد السكافي أن ما يرتكبه الاحتلال بحق أطفال غزة يصنف كجريمة إبادة جماعية، من خلال العمل على جعل حياتهم مأساوية و كارثية، و لجوئهم إلى العمالة المبكرة، بهدف تدمير هذه الفئة كليا أو جزئيا.

و تشير معطيات رسمية نشرتها وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية على موقعها الرسمي إلى ارتفاع غير مسبوق في أعداد الأطفال الأيتام في القطاع، حيث تجاوز عددهم 64 ألفا و616 يتيما و يتيمة، من بينهم أكثر من 55 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب، في ظل أوضاع إنسانية بالغة القسوة، تترافق مع النزوح و فقدان المأوى، و تراجع الخدمات الأساسية، و انقطاع التعليم و الرعاية الصحية.

الرابط : https://www.aljazeera.net/politics/2026/6/12/%D8%B4%D8%A7%D9%87%D8%AF-%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D8%AF%D9%81%D8%B9%D8%AA-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%BA%D8%B2%D8%A9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى